فصحىعامية

ليه نبني سرمد؟

تصورنا لمستقبل الإعلام والمحتوى في زمن الذكاء الاصطناعي

مهدي بوعلي

٥ دقائق

واحنا نبني "سرمد"، لاحظنا ثلاث مقدمات شكّلت تصورنا للمنصة:

١- الذكاء الاصطناعي غيّر معادلة إنتاج المحتوى

الملاحظة الأولى أن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) غيّر اقتصاديات صناعة المحتوى بشكل جذري. ومن الاسم "توليدي"، يكون من أوضح استخداماته توليد المحتوى.

سابقاً، كان إنتاج المحتوى محدوداً بعدد البشر ووقتهم. عشان تنتج أكثر تحتاج بشر أكثر، ومع ذلك كل شخص له قدرة إنتاجية قصوى محدودة بوقته.

اليوم، صارت الآلة تقدر تنتج نصوص، وصوت، وصورة بتكلفة هامشية منخفضة، تعتمد فقط على الموارد الحاسوبية والتكلفة اللي مستعد تدفعها لمقدمي النماذج، بدون أي حد أدنى من القصد والجهد البشري.

النتيجة الحتمية لقدرة أي شخص على إنتاج محتوى بلا حدود، هي كمية محتوى مولّد جنونية راح تغرق المنصات. وغالبية هذا المحتوى يُنتج بدون اهتمام بالجودة، فبطبيعة الحال راح يكون تافه، سطحي، ومكرر.

في نفس الوقت، الذكاء الاصطناعي لا يؤثر على كمية المحتوى اللي يقدر يستهلكه الإنسان في يومه. وهنا تصير قيمة المحتوى والإعلام مبنية بشكل أساسي على فهم المستهلك، والقدرة على تخصيص وتصفية المحتوى عشان يناسب رغباته.

شخص ينتج قطعة محتوى واحدة مقابل شريحة ذكاء اصطناعي تنتج محتوى كثيراً في كل الاتجاهات

٢- استهلاك المحتوى حاجة إنسانية أساسية

الملاحظة الثانية كانت أننا سواء كنا في العصر الحجري، أو وصلنا للذكاء الاصطناعي العام (AGI) وسيطرت الآلة؛ يحتاج الإنسان لمحتوى يستهلكه.

ما دام الإنسان موجود، راح يبحث عن محتوى يتابع فيه أحداث العالم، يتعلم منه المعارف، ويسمع قصص ترفّه عنه. تتغير أشكال المحتوى ومنصاته، لكن تبقى حاجة الإنسان للفهم والتفسير والترفيه موجودة دائماً.

بناءً على هذا، تطور الذكاء الاصطناعي وتغير التقنيات ما يأثر على الطلب على المحتوى، ولا يغير إجابة سؤال: هل راح يبقى البشر يستهلكون محتوى؟ السؤال الحقيقي هو: هل شكل المحتوى ومنصاته تناسب تقنيات العصر ومتطلبات المستهلك؟

وسائط المحتوى تتغير عبر العصور بينما يبقى الإنسان وحاجته للمحتوى ثابتين

٣- منصات المحتوى والإعلام الحالية بُنيت على أساس مختلف

الملاحظة الثالثة أن منصات الإعلام التقليدية بُنيت بمعايير وعمليات تحريرية تخلّي التوسع يعتمد بشكل أساسي على زيادة عدد الموظفين. لكن ظهور منصات التواصل الاجتماعي أعطى فرصة لأي إنسان إنه يكون إعلامي وينشر محتوى ينافس المنصات الإعلامية، بدون ما يدفع تكلفة العمليات التحريرية.

والنتيجة أن المنصات الإعلامية التقليدية تعاني من ارتفاع التكاليف وانخفاض الهوامش، بسبب عدم قدرتها على الوصول للمستهلك أكثر من فرد عشوائي ينشر في إكس (تويتر).

وبالنسبة للمستهلكين، استهلاك المحتوى صار أسهل لكن مع مشاكل واضحة: محتوى مكرر، متناثر في منصات كثيرة، وغالباً بدون سياق أو ضبط للجودة.

ومع زيادة المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، المشكلة راح تتضخم إلى درجة تكون فيها المنصات بشكلها الحالي غير قابلة للاستخدام.

هرم مؤسسي مكلف ينتج قطعة واحدة مقابل أفراد كثيرين ينتج كل منهم مباشرة

تصورنا لسرمد

ومن الثلاث ملاحظات نتج تصورنا لسرمد، وهو على جزأين:

أ. اقتصاديات تقنية مع جودة مؤسسية

نبي نستفيد من قدرة الذكاء الاصطناعي على الإنتاج بتكلفة منخفضة وحجم كبير، لكن مع معايير تحريرية مؤسسية. هدفنا نوصل لجودة المؤسسات الإعلامية الكبرى لكن ببنية إنتاجية أذكى وأكثر قابلية للتوسع. والفكرة هي إن بنية "سرمد" التحتية تكون مبنية حول الذكاء الاصطناعي من الصفر، ونعيد صياغة المعايير التحريرية من أنها دليل للبشر فقط إلى جزء من برمجة وطريقة عمل أنظمة ووكلاء الآلة (Agents).

وفي الوضع الحالي، الذكاء الاصطناعي ما يقدر ينتج محتوى ممتاز وموثوق بشكل مستقل تماماً، ويبقى التدخل البشري ضروري. هدفنا في المرحلة الأولى هو رفع كفاءة الإنتاج؛ بحيث يقدر شخص واحد ينجز عمل كان يحتاج فريق كامل. الآلة تتولى الجزء الأكبر من البحث، الصياغة، والإنتاج، بينما يبقى الحكم البشري هو المسؤول عن التوجيه، ضبط المعايير، والقرار النهائي.

ومع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي، أكيد راح تتغير مساحة هذا التدخل البشري. بس مهما تطورت التقنية، وفرة المحتوى راح تخليه يفقد قيمته المجردة، وتصير القيمة الحقيقية في "المؤسسة" اللي توقف وراه وتتحمل مسؤوليته.

وعشان كذا، فكرتنا لسرمد تتجاوز مجرد محرك تقني يولد محتوى. الهدف نبني نموذج يجمع بين كفاءة التقنية ورصانة المؤسسات؛ بحيث تشتغل سرمد بسرعة وإنتاجية الآلة، لكنها محكومة بمعايير تحريرية تضمن الموثوقية، وتقدم للمستخدم محتوى يقدر يعتمد عليه لفهم العالم.

إنسان يحمل دليلاً تحريرياً ويوجه هرماً من وكلاء الذكاء الاصطناعي ينتج محتوى كثيراً

ب. إعادة ابتكار تجربة المحتوى

الجزء الثاني من تصورنا لسرمد يركز على تجربة استهلاك المحتوى نفسها. في الإعلام التقليدي، المحتوى كان غالباً قطعة ثابتة تُنشر لجمهور واسع كقالب واحد؛ والسبب ببساطة إن تخصيص المحتوى لكل فرد كان مستحيل ومكلف.

لكن اليوم، الذكاء الاصطناعي غيّر هذي المعادلة، وخلّى إنتاج محتوى مخصص لكل شخص شيء ممكن ومجدي اقتصادياً لأول مرة. وبهذا التغيير، صار الإعلام يقدر يتجاوز فكرة "قالب واحد يناسب الجميع"، ويتحول إلى علاقة تفاعلية بين الإنسان والمعرفة.

ولأننا نبني سرمد ببنية معتمدة على الذكاء الاصطناعي من الصفر، صار ممكن نقدم المحتوى بشكل مخصص لكل إنسان. بدل القالب الواحد للجميع، المستخدم يقدر يتفاعل مع المادة؛ يطلب تفصيل أكثر أو ملخص، يغير صيغتها، أو حتى يطرح أسئلة إضافية. دورنا مو إننا نبني مكتبة ضخمة من القطع الإعلامية، بل إننا نوفر واجهة شخصية تساعد كل فرد يستكشف العالم ويفهمه بالطريقة اللي تناسب مستوى معرفته وتفضيلاته.

هذا التخصيص يخلي المعرفة أسهل وأقرب لحياة الناس، لكنه في نفس الوقت يرتبط بخطر واضح: إن كل مستخدم ممكن ينعزل ويعيش في نسخة مختلفة من الواقع. عشان كذا، في سرمد لازم نميز بوضوح بين تخصيص "طريقة تقديم الحقيقة" وتخصيص "الحقيقة نفسها". المبدأ اللي لازم يحكمنا هنا واضح: لكل مستخدم شرح يناسبه، لكن مو لكل مستخدم واقع يناسبه.

محتوى واحد يدخل منصة واحدة ثم يصل لكل شخص بطريقة عرض مخصصة

الخاتمة

تصورنا في سرمد إن الذكاء الاصطناعي راح يغيّر شكل الفضاء الإعلامي بالكامل. في عالم يغرق بمحتوى لا نهائي يقابله انتباه بشري محدود، الصعوبة ما راح تكون في الإنتاج، بل في تصفية المحتوى ومعرفة اللي يستحق الثقة والاهتمام. وهدفنا نبني مؤسسة تجمع بين كفاءة الآلة ومسؤولية الإنسان، تقدم محتوى معرفي بتجربة شخصية، تفاعلية، وموثوقة.

مهدي بوعلي

٢٩ أغسطس ٢٠٢٦

ElevenLabs Grants

ينتج المحتوى في سرمد بواسطة الذكاء الاصطناعي. ورغم حرصنا على الجودة، إلا أن الذكاء الاصطناعي عُرضة للخطأ.