الذكاء الاصطناعي يغير شكل سوق العمل في مسارين متوازيين؛ فهو من جهة يتولى أتمتة بعض المهام، ومن جهة أخرى يرفع الطلب على الأشخاص القادرين على مساعدة الشركات في بناء هذه الأنظمة وحوكمتها واستخدامها بفعالية أكبر. هذا التباين يظهر بوضوح في التقارير الأخيرة لمجلة WIRED، التي ركزت على الوظائف المهددة بالتحول، وتلك التي بدأت الآلة تسيطر عليها، والمهارات الجديدة التي تجعل الموظف أكثر قيمة في بيئة عمل تعتمد بكثافة على التقنيات الحديثة.
أحد أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام هو قطاع تحصيل الديون، وهو مجال ارتبط طويلاً بالمكالمات والرسائل المتكررة والمزعجة. وبحسب WIRED، تتسابق الشركات حالياً لأتمتة ما تسميه "أكثر المكالمات كراهية في العالم"، حيث يُستخدم AI بشكل متزايد للتواصل مع الأشخاص المتعثرين في السداد. هذا التحول يعكس نمطاً أوسع؛ فالمهمات النمطية التي تتسم بكثافة عالية وضغط نفسي غالباً ما تكون في مقدمة المهام التي تُسند إلى الآلات.
لكن هذه التكنولوجيا نفسها تفتح أبواباً لأشخاص تتجاوز قدراتهم الجوانب التقنية البحتة. تقارير Business Insider تشير إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، مثل Google DeepMind وAnthropic، باتت تستقطب خريجي الفلسفة للعمل في مجالات الأخلاقيات، والسلامة، والحوكمة، والسياسات. ورغم أن هذه الوظائف ما زالت تعتبر تخصصية ودقيقة، إلا أنها تمنح رواتب تصل إلى ست خانات، وتزداد أهميتها مع مواجهة الشركات لأسئلة معقدة حول سلوك أنظمة AI، والقيم التي تتبناها، ومدى قدرة المستخدمين على الثقة بها.
هذا الجانب يمثل جوهر القصة وراء دليل WIRED المعنون بـ "7 طرق لتتقن الذكاء الاصطناعي لدرجة يظن فيها الناس أنك AI". المقال لا يتعامل مع إتقان هذه الأدوات كمجرد "موضة"، بل كميزة عملية في سوق العمل. ف في بيئة قد تختفي فيها وظائف وتتشكل فيها أخرى، يمتلك الموظفون الذين يفهمون كيفية استخدام AI والإشراف عليه تفوقاً حقيقياً.
النصيحة التي يقدمها المقال تعكس واقعاً يتشكل حالياً في المكاتب والشركات الناشئة؛ فكون الشخص "AI native" اليوم يعني ما هو أكثر من مجرد استخدام Chatbot بشكل عابر. الأمر يتطلب مهارة في كتابة Prompt بفعالية، والقدرة على رصد أخطاء النماذج، وتعلم كيفية دمج أدوات الذكاء الاصطناعي مع التقدير البشري. وبمعنى آخر، الفائدة الأكبر تكون من نصيب من يستخدم AI بعين ناقدة لا بتبعية عمياء.
تشير تغطية WIRED لمستقبل الوظائف إلى أن المسألة ليست مجرد "عملية استبدال" بسيطة. بعض المهام ستتقلص أو تتغير بسبب الأتمتة، ومنها تحصيل الديون، لكن في المقابل تظهر أدوار جديدة لمن يستطيعون صياغة وتوجيه هذه الأنظمة من الداخل. يشمل ذلك الفلاسفة والمتخصصين في الأخلاقيات الذين يؤثر عملهم على سلوك النماذج وسياساتها وقرارات السلامة في مختبرات AI الرائدة.
وبشكل عام، ترسم هذه التقارير صورة لسوق عمل ينقسم إلى نصفين؛ الأول تُؤتمت فيه المهام الروتينية، والثاني تزداد فيه قيمة الخبرة في الرقابة على AI وحوكمته واستخدامه الفعال. والخلاصة بالنسبة للموظفين هي أن فهم كيفية عمل الذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك فهم مواطن فشله، لم يعد أمراً اختيارياً في العديد من المجالات.