تحولت سوق الأسهم في كوريا الجنوبية إلى واحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية جذباً في العالم، حيث قفز مؤشر Kospi بنحو 77% منذ بداية العام، وتضاعفت قيمته ثلاث مرات خلال الـ 52 أسبوعاً الماضية. وفي حين انضمت شركة Samsung Electronics إلى "نادي التريليون دولار"، رفع بنك Goldman Sachs مستهدفه للمؤشر خلال 12 شهراً إلى 9,000 نقطة، واصفاً الأسهم الكورية بأنها "الخيار الأكثر ثقة" لديه في آسيا. لكن خلف هذا الصعود الكبير ثمة مفارقة لافتة؛ فبينما تسجل السوق مستويات قياسية، يواصل المستثمرون الأجانب سحب رؤوس أموالهم بانتظام، مما يثير تساؤلات جدية حول استدامة هذا الانتعاش وصحة السوق الحقيقية.
يعود هذا الأداء الاستثنائي للأسهم الكورية بشكل أساسي إلى الطلب المتزايد من قطاع الذكاء الاصطناعي على semiconductors الذاكرة، وهو القطاع الذي تهيمن عليه الشركات الكورية عالمياً. كانت Samsung Electronics و SK Hynix المحركين الرئيسيين لهذا الصعود، مستفيدتين من الأرباح المرتفعة المستمرة في هذا المجال. ويرى محللو Goldman Sachs أن السوق لم يسعر بعد استدامة هذه الأرباح بشكل كافٍ، مما يخلق فرصة استثمارية مغرية. والأهم هنا أن مكاسب هذا العام مدفوعة بأساسيات الشركات لا بمجرد المضاربات، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً عن ديناميكيات العام الماضي التي كانت تعتمد أكثر على التوقعات غير الملموسة.
المثير في الوضع الحالي هو أن الأسهم الكورية حافظت على تقييمات متواضعة نسبياً حتى بعد قفزتها الكبيرة؛ إذ يتداول مؤشر Kospi عند مكرر ربحية مستقبلي (forward price-to-earnings) يبلغ 8.8 مرة لـ 12 شهراً القادمة، و7.8 مرة لـ 24 شهراً، مما يشير إلى أن السوق لا تزال تقدم قيمة جيدة بالمعايير التاريخية. استمرت هذه التقييمات رغم تضاعف المؤشر أكثر من ثلاث مرات منذ بداية عام 2025، وهي الفترة التي شهدت تحولاً كبيراً لسوق عانت طويلاً مما يعرف بـ Korea discount، وهو انخفاض مزمن في التقييم حاولت سيول جاهدة تجاوزه لسنوات عبر إصلاحات في حوكمة الشركات وسياسات صديقة للمساهمين.
ومع ذلك، يبرز التباين بين ضغوط الشراء المحلية والبيع الأجنبي كعامل خطر لا يمكن تجاهله. فبينما استمر المستثمرون المحليون والأساسيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دفع السوق للأعلى، تشير التقارير إلى أن الصناديق العالمية سرعت وتيرة انسحابها من الأسهم الكورية. هذا الانقسام يوحي بأن المستثمرين الدوليين قد ينظرون إلى التقييمات الحالية وزخم السوق بمنظور يختلف عن نظرائهم المحليين، أو ربما يفضلون جني الأرباح بعد المكاسب الاستثنائية التي تحققت بالفعل. هذا التوتر بين التدفقات المتعارضة يضع علامة استفهام حول قدرة السوق على مواصلة الصعود بنفس الوتيرة.
بدأ النمو المتسارع للسوق يظهر أيضاً بوادر مبالغة مضاربية لدى فئات واسعة من المستثمرين في كوريا الجنوبية. فقد أظهر صغار المستثمرين، الذين كانوا جزءاً رئيسياً من هذا الصعود، تردداً متزايداً مع ارتفاع حدة التذبذب، حيث أشار بعض المراقبين إلى أن التحركات السعرية الحادة جعلت التحليل التقليدي شبه مستحيل. وشهدت السوق بالفعل تصحيحاً فنياً استمر لثلاث جلسات فقط في أوائل مارس، حيث هبط مؤشر Kospi بنسبة 20% من أعلى مستوياته في فبراير نتيجة توترات دولية، قبل أن يتعافى بشكل ملحوظ لاحقاً.
رغم هذه التجاذبات، لا تزال المؤسسات المالية الكبرى مقتنعة بالجاذبية الجوهرية للسوق. ويتمسك بنك Goldman Sachs برأيه أن الأسهم الكورية لا تزال مغرية حتى بعد واحدة من أقوى طفرات الصعود عالمياً، مستنداً إلى قوة قطاع semiconductors، والتقييمات المنطقية، وسنوات من الإصلاحات الهيكلية التي قلصت فجوة Korea discount. تعكس هذه النظرة التفاؤلية الثقة في أن الطلب على رقائق الذاكرة المدفوع بالذكاء الاصطناعي سيستمر في دعم نمو الأرباح، مما قد يبرر المزيد من الارتفاع في قيمة الأسهم. وبالنسبة للمستثمرين، يبقى التحدي الحقيقي في التمييز بين الحماس المبرر المبني على أساسيات القطاع، وبين حمى المضاربة التي قد تهدد استقرار السوق مستقبلاً.