النمو السريع للذكاء الاصطناعي بدأ يغير قواعد اللعبة في أمريكا، حيث أشعل سباقاً كبيراً على النحاس؛ فزيادة الطلب على الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات وشبكات الطاقة حولت هذا المعدن إلى ضرورة استراتيجية لا غنى عنها. إنتاج النحاس في الولايات المتحدة لم يتزحزح من مكانه منذ عقود، مما أجبرها على الاعتماد المتزايد على الاستيراد لتلبية الطلب العالمي المتسارع، بحسب Bloomberg Technology. مشاريع ضخمة مثل منجم Resolution في أريزونا التابع لشركة Rio Tinto تؤكد وجود احتياطيات محلية هائلة، لكنها تواجه عقبات صعبة تشمل التعقيدات التنظيمية والتكاليف التي لا تتوقف عن الارتفاع.
أزمة النحاس الحالية نابعة بالدرجة الأولى من نهم الذكاء الاصطناعي للبنية التحتية. مراكز البيانات التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي تتطلب سعة كهربائية ضخمة، وهنا يبرز دور النحاس كعنصر أساسي في الأسلاك والمحولات وخطوط النقل. ومع توجه شركات مثل Meta لضخ مليارات الدولارات في بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي — لدرجة التخطيط لتسريح 8,000 موظف بدءاً من 20 مايو لتمويل هذا التحول — يزداد الضغط على سلاسل الإمداد. هذه الهيكلة، التي تأتي ضمن سلسلة تسريحات شملت نحو 25,000 وظيفة منذ 2022، تعكس كيف تعطي شركات Big Tech الأولوية للعتاد (Hardware) على حساب عدد الموظفين، وفقاً لتقرير The Next Web.
التطور الصيني المتسارع في الذكاء الاصطناعي زاد من حدة التنافس العالمي، فالفجوة في الأداء بين الصين وأمريكا تقلصت لتصل إلى 2.7% فقط، رغم أن الصين أنفقت أقل بـ 23 مرة في الاستثمارات الخاصة (12.4 مليار دولار مقابل 285.9 مليار دولار). كشف تقرير AI Index لعام 2026 من جامعة Stanford أن الصين تستحوذ الآن على 69.7% من براءات اختراع الذكاء الاصطناعي عالمياً، مما يمنحها القدرة على تطوير نماذج فعالة ومنخفضة التكلفة تجذب المستخدمين من كل مكان. وعلى منصات مثل OpenRouter، تفوقت النماذج الصينية على نظيرتها الأمريكية في استهلاك الـ Tokens، حيث عالجت 5.16 تريليون Token في أسبوع واحد مقارنة بـ 2.7 تريليون للمنافسين الأمريكيين، وفي منتصف مارس وصلت الأرقام الصينية إلى 7.36 تريليون، وهو ما يمثل 36% من الحجم العالمي.
ما يعرف بـ "اقتصاد الـ Tokens" يعيد تشكيل المشهد التقني في الصين؛ فطلبات الـ Tokens اليومية قفزت إلى 140 تريليون في أوائل 2026، وهي زيادة بألف ضعف عما كانت عليه في 2024 (100 مليار)، ما يعادل 250 مرة حجم مجموعة المكتبة الوطنية الصينية. هذه النماذج الرخيصة تدعم الشركات الناشئة المتخصصة وتخلق رابحين جدد في سوق الأسهم، كما ذكرت تقارير Bloomberg Markets وCGTN. تبني الشركات لهذه التقنيات رفع معدل استخدام الـ Tokens لكل مستخدم بمقدار عشرة أضعاف على أساس سنوي، لدرجة أن الـ Token أصبح هو العملة الجديدة للذكاء الاصطناعي، تماماً كما كان الكيلوواط/ساعة في قطاع الطاقة أو الصلب في العصور الصناعية السابقة.
الرهان اليوم كبير بالنسبة للولايات المتحدة؛ فبدون زيادة إنتاج النحاس، ستواجه طموحات الذكاء الاصطناعي خطر "عنق الزجاجة" في الإمدادات، وهو ما قد يعطل توسعة مراكز البيانات وتحديث شبكات الكهرباء. المتضررون هنا يشملون الجميع، من شركات التعدين والمرافق إلى عمالقة التكنولوجيا، وصولاً إلى المستهلك الذي قد يواجه ارتفاعاً في تكاليف الطاقة. الخطوات القادمة تعتمد على تسهيل إجراءات الموافقة لمناجم مثل Resolution والاستثمار في التكرير المحلي، في وقت يهدد فيه التفوق الصيني في الـ Tokens الريادة الأمريكية في الرقائق والتمويل. هذا السباق يؤكد حقيقة واضحة: الطرف الذي سيمتلك بنية تحتية مرنة ومنخفضة التكلفة، من أسلاك النحاس وصولاً إلى معالجة الـ Tokens، هو من سيرسم ملامح المستقبل في هذا القطاع.