يطالب الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، داريو أمودي، الحكومة الأمريكية بوضع قواعد تنظيمية صارمة للذكاء الاصطناعي شبيهة بتلك التي تفرضها إدارة الطيران الفيدرالية FAA على قطاع الطيران. ويرى أمودي أن الـ frontier models يجب أن تخضع لاختبارات إلزامية من جهات مستقلة قبل طرحها تجارياً، مع منح الجهات التنظيمية الصلاحية الكاملة لمنع نشر أي نموذج أو سحبه إذا فشل في تلبية معايير السلامة. وفي مقال جديد له بعنوان "Policy on the AI Exponential"، أشار أمودي إلى أن الرقابة الذاتية التي تفرضها الشركات على نفسها لم تعد كافية، خاصة وأن قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة تتجاوز قدرة القوانين والسياسات على الملاحقة والتنظيم، وفقاً لما نقلته منصة VentureBeat وتقارير صحفية أخرى.
ينطلق مقترح أمودي من قطاع الطيران التجاري، حيث تضع إدارة الـ FAA معايير سلامة دقيقة يجب على كل طائرة استيفاؤها قبل الترخيص لها بالخدمة. وبحسب ملخصات المقال، سيركز هذا الإطار التنظيمي على النماذج التي تتجاوز حداً معيناً من الـ compute threshold، ويفرض اختبارها لمواجهة أربعة مخاطر رئيسية: الـ cybersecurity، وتطوير الأسلحة البيولوجية، وفقدان السيطرة على الأنظمة الذاتية، والأبحاث المؤتمتة التي قد تسهم في تسريع هذه التهديدات. والفكرة الأساسية هي وجود وكالة حكومية، أو جهات اختبار خاصة مرخصة منها، للتحقق من السلامة والأمان قبل السماح بنشر أي نموذج على نطاق واسع.
توقيت هذا الطرح يحمل دلالة خاصة؛ فشركة Anthropic تصنف اليوم كواحدة من أبرز مطوري الـ frontier models، مما يعطي هذا المطلب وزناً إضافياً داخل Silicon Valley. وأوضح أمودي في مقترحه، وفقاً لمتابعات Developers Digest وKuCoin، أن هذا التحرك يأتي استجابة للحظة حرجة أصبحت فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات أهمية استراتيجية تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي، والدفاع السيبراني، وأسواق العمل. وحذر أمودي في مقاله من أن التكنولوجيا قد تتسبب أيضاً في "بطالة واسعة ومستمرة"، ما يوضح أن النقاش اليوم لم يعد محصوراً في المخاوف التقنية البحتة، بل يمتد ليشمل صدمات اقتصادية واجتماعية أعمق.
بالنسبة للشركات وقطاع الأعمال، يعني هذا السجال القانوني أن المرحلة القادمة من تبني الذكاء الاصطناعي ستتطلب الالتزام بمعايير امتثال رسمية وأكثر صرامة. وإذا تبنت الحكومات قواعد شبيهة بمقترح أمودي، فقد تواجه الشركات التي تعتمد على الـ frontier models متطلبات توثيق إضافية واختبارات معقدة، وربما يتأخر وصولها إلى التحديثات والإصدارات الجديدة. هذا السيناريو سيؤثر بشكل مباشر على الشركات التي تبني منتجات وحلولاً تقنية فوق هذه النماذج المتقدمة، لا سيما في القطاعات الحساسة مثل الـ cybersecurity، والقطاع المالي، والـ biotech، وأنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة.
ويأتي هذا المقترح بالتزامن مع توسع Anthropic في استراتيجيتها الموجهة للشركات. حيث ذكرت TechCrunch هذا الأسبوع أن الشركة تحالفت مع Tata Consultancy Services للمساعدة في نشر نماذجها لعملاء قطاع الأعمال على نطاق واسع، وهو ما يوضح أن Anthropic تسعى بقوة لتعميق حضورها التجاري في وقت تطالب فيه بفرض قيود تنظيمية مشددة على التكنولوجيا ذاتها. هذا التناقض الواضح بين الرغبة في التوسع التجاري والمطالبة برقابة أكثر صرامة يعكس حال قطاع الذكاء الاصطناعي بأكمله، حيث تتسابق الشركات للاستحواذ على سوق الشركات، بينما تحذر في الوقت نفسه من أن مخاطر التكنولوجيا تسير بسرعة تفوق قدرة صمامات الأمان الحالية على الاحتواء والسيطرة.
ولا تعد Anthropic الشركة الوحيدة التي تحاول صياغة القوانين المنظمة للذكاء الاصطناعي، لكن طرح أمودي يبدو مباشراً وجريئاً على غير العادة؛ فبدلاً من الاعتماد على الالتزامات التطوعية من جانب الشركات، يطالب بجهة تنظيمية تمتلك سلطة إنفاذ حقيقية وقدرة على المحاسبة. وبالنسبة للمؤسسات التي تستخدم هذه النماذج القوية أو تقيمها حالياً، فإن الخلاصة العملية هي أن اختبارات السلامة، والإبلاغ عن الحوادث، وممارسات الـ model-security قد تتحول قريباً من مجرد ممارسات اختيارية فضلى إلى التزامات قانونية مفروضة.