يرى أليكس إيماس، خبير الاقتصاد السلوكي في جامعة شيكاغو، أن النظرة التفاؤلية التقليدية تجاه الذكاء الاصطناعي قد تكون بعيدة عن الواقع. فبينما يرى أغلب الاقتصاديين أن التقنية الجديدة ستخلق وظائف بقدر ما ستلغي، يحذر إيماس من اضطرابات اقتصادية غير مسبوقة، قد تصل إلى انهيار الطلب وحتى نمو سلبي. وفي نقاشاته الأخيرة، ومنها بودكاست Odd Lots في بلومبرغ، يشكك إيماس في فكرة أن مكاسب الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي ستولد تلقائياً طلباً وفرصاً جديدة، مثلما فعل المحرك البخاري قديماً. وبينما يتوقع الكثيرون "وجعاً مؤقتاً" يعقبه توازن طبيعي، يرى إيماس أن الوضع هذه المرة قد ينتهي بدوامات من تراجع الإنتاج والبطالة.
يطرح إيماس سيناريوهات يؤدي فيها الذكاء الاصطناعي إلى انهيار الطلب، مستنداً إلى مدرسة New Keynesian economics. فعندما تفقد شرائح واسعة من القوى العاملة دخلها بسبب الأتمتة، يتهاوى إنفاق المستهلكين لأن المتضررين ببساطة لا يملكون المال لشراء السلع والخدمات. الشركات بدورها، حين تتوقع هذا الهبوط، تخفض إنتاجها، مما يفاقم الأزمة؛ خاصة في ظل ما يعرف بـ Sticky wages أو الأسعار التي لا تتعدل بسرعة لمواجهة التغيرات. ويوضح إيماس أن هذا يختلف عن الركود التقليدي لأن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن من الأتمتة بشكل واسع وسريع جداً، مما يضرب مجموعات متنوعة بقدرات استهلاكية مختلفة، وقد يدفع الاقتصادات نحو Zero lower bound في أسعار الفائدة، حيث تفشل أدوات التحفيز التقليدية في إنعاش السوق.
بعيداً عن خسارة الوظائف المباشرة، يشير إيماس إلى خطر التباعد بين الناتج المحلي الإجمالي (GDP) ورفاهية المجتمع في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي. فالروايات البسيطة التي تفترض أن الأتمتة تعني الوفرة تتجاهل "حالة التشبع"، حيث يصل البشر لنقطة يكتفون فيها من السلع المادية، كما تتجاهل عوامل سلوكية مثل "المعنى" والتفضيلات الشخصية التي قد لا يلبيها الذكاء الاصطناعي. وفي أحد النماذج التي ناقشها، قد يعلق المجتمع في حالة من التقنية العالية مع رأس مال منخفض، وهو ما يشبه الرؤى السوداوية في رواية Caves of Steel لإسحاق أسيموف، حيث تتعايش التقنية المتقدمة مع الركود الاقتصادي. فحتى لو نما GDP، قد تتراجع الرفاهية العامة إذا تركزت فوائد الإنتاجية لدى أصحاب رؤوس الأموال بدلاً من العمال الذين ينفقون عادة على الخدمات البشرية النادرة.
تعيد أبحاث إيماس صياغة تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف بعيداً عن مجرد مقاييس "التعرض" التقليدية، مثل الدراسات التي تزعم أن 80% من العمال في أمريكا سيواجهون أتمتة لبعض مهامهم. هو يرى أن المخاطر لا تتعلق بمتوسط التعرض للتقنية، بل بهيكلية الوظيفة نفسها؛ فالمراكز التي تعتمد على مهام أساسية قليلة وقابلة للأتمتة هي الأكثر عرضة للخطر، خاصة إذا كانت حوافز الشركات تدفع نحو الاستثمار في أتمتة محدودة الأبعاد. وتكشف دراساته حول العمل الإبداعي وديناميكيات Principal-agent dynamics كيف تؤثر السمات البشرية على التعامل مع الآلة، مما قد يضاعف الفوارق الطبقية عبر ما يسميه "Machine fluency" أو القدرة على توجيه الذكاء الاصطناعي بفعالية، حيث يتمكن البعض من احتكار المكاسب الاقتصادية بفضل مهارتهم في التعامل مع التقنية.
تكتسب هذه الرؤية أهمية كبرى لدى صناع القرار والعمال والشركات مع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي. فالملايين في قطاعات حساسة، من المهام الروتينية إلى المجالات الإبداعية، قد يواجهون الإزاحة دون الوصول إلى حالة التوازن التي شهدها التاريخ، مما يؤثر على النمو العالمي والعدالة الاجتماعية. وما سيحدث تالياً لا يزال غير مؤكد، حيث يبدي إيماس شكوكاً مدروسة حول وصول فوائد الإنتاجية للعمال، داعياً إلى تدقيق أكبر في الاقتصاد السلوكي عند دراسة سيناريوهات الذكاء الاصطناعي. ومع اشتداد النقاش، تدعو أفكاره التي برزت في بلومبرغ وعبر منصته في Substack إلى إعادة التفكير في وسائل الحماية، مثل برامج إعادة التأهيل أو سياسات دعم الطلب، لتجنب الدخول في دوامات اقتصادية لا تحمد عقباها.