بدأ وزير الخزانة الأمريكي Scott Bessent ونائب رئيس الوزراء الصيني He Lifeng محادثات رفيعة المستوى في سيول يوم الأربعاء، في خطوة تمهد الطريق للقمة المرتقبة بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين. هذه النقاشات تهدف بالدرجة الأولى إلى تهدئة التوترات التجارية الطويلة بين أكبر اقتصادين في العالم، وهي التوترات التي اتسمت بفرض رسوم جمركية باهظة وإجراءات انتقامية متبادلة منذ عام 2018. ووفقاً لتقارير نشرتها صحيفة الشرق الأوسط، يركز اجتماع سيول على صياغة اتفاقيات ملموسة قد تعيد الروح لقطاعات أساسية في التجارة الثنائية.
السياق العام للعلاقات التجارية بين البلدين يكشف عن تاريخ متقلب وحاد؛ إذ وصلت الرسوم الجمركية على البضائع الصينية الداخلة إلى أمريكا إلى ذروتها بنسبة 145% بحلول أبريل 2025، وردت الصين بفرض رسوم بنسبة 125% على الواردات الأمريكية. ورغم التوصل لهدنة جزئية في مايو من العام الماضي خفضت الرسوم الأمريكية إلى 30% والصينية إلى 10%، إلا أن الكثير من هذه الرسوم لا يزال قائماً، حتى بعد صدور حكم من المحكمة العليا الأمريكية في فبراير 2026 ألغى بعض الإجراءات التي اقترحها ترامب. وما تزال واشنطن تتمسك برسوم عالية على قطاعات حيوية مثل السيارات الكهربائية (التي بلغت 100% في عهد بايدن)، والصلب، والألمنيوم، وأشباه الموصلات، والخلايا الشمسية، وبطاريات الليثيوم، بالتوازي مع قيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة للحد من التطور العسكري الصيني.
أحد الأهداف المركزية لقمة ترامب وشي المقبلة هو معالجة العجز التجاري الأمريكي المستمر في السلع مع الصين، والذي يبلغ 202 مليار دولار، وهو العجز الأكبر للولايات المتحدة مع أي دولة في العالم بحسب مجلس العلاقات الخارجية. ويضغط المسؤولون الأمريكيون لإبرام صفقات تزيد من صادرات الطاقة الأمريكية إلى الصين، وهو ما قد يمثل طوق نجاة للمنتجين الأمريكيين في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. ويرافق الرئيس ترامب وفد من رؤساء كبرى الشركات الأمريكية، يسعون بشكل أساسي لإيجاد حلول للعوائق التجارية القائمة، وقيود الاستثمار، ومشاكل الوصول إلى الأسواق، وفقاً لما ذكرته الشرق الأوسط. هذا التوجه المرتكز على قطاع الأعمال يعكس رغبة في تحقيق مكاسب اقتصادية واضحة، تشمل زيادة مبيعات طائرات Boeing، واللحوم، وفول الصويا، وموارد الطاقة.
إدارة ترامب ركزت في طرحها على ضرورة فصل التعاون الاقتصادي عن الهواجس الأمنية، واقترحت مبادرات لادارة الاتفاقيات المستقبلية عبر كيانات متخصصة مثل Board of Trade و Board of Investment. وقد أسهمت الاجتماعات الأخيرة على مستوى النواب في باريس، والمحادثات الوزارية المؤكدة، في خلق زخم إيجابي، حيث أبدى الطرفان استعداداً لاستقرار تدفقات التجارة. وبالنسبة للصين، يعد إعادة فتح الأسواق الأمريكية أمراً مصيرياً لمواجهة التباطؤ الاقتصادي المحلي، وإيجاد منافذ لصادراتها التي تتدفق حالياً بغزارة نحو أوروبا وجنوب شرق آسيا.
هذه التطورات لها تأثير مباشر وعميق على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والمستهلكين؛ فخفض الرسوم الجمركية قد يؤدي لخفض أسعار الإلكترونيات والسيارات المواد الخام، ويدعم الصادرات الزراعية والصناعية الأمريكية. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، وعلى رأسها نزاعات الملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا القسري، بالإضافة إلى الملفات الجيوسياسية المتفجرة مثل تايوان والنزاع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، وهو الصراع الذي تسبب في تأجيل لقاء ترامب وشي من مارس إلى مايو. وفي الوقت الذي انخفضت فيه واردات السلع الأمريكية من الصين بنسبة 29.7% لتصل إلى 308.4 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يوضح ضريبة الحرب التجارية، يدرك البلدان حجم الاعتماد المتبادل؛ فالصين بحاجة للطلب الأمريكي، وأمريكا تعتمد على المكونات الصينية معقولة التكلفة.
وبالنظر إلى المستقبل، تمثل قمة ترامب وشي هذا الأسبوع في بكين لحظة فارقة. النجاح في هذه القمة قد يفتح الباب لاتفاق "المرحلة الثانية"، الذي يبني على اتفاق المرحلة الأولى المحدود الذي وُقع عام 2020، والذي وعدت فيه الصين بشراء سلع أمريكية بقيمة 180 مليار دولار سنوياً لكنها لم تلتزم بذلك فعلياً. أما الفشل، فيعني المخاطرة بتصعيد جديد، وتحول مسار التجارة إلى مناطق أخرى مثل المكسيك وأوروبا، تماماً كما فعلت الرسوم الجمركية السابقة. وبينما يترقب العالم النتائج، فإن هذه المحادثات قد تعيد صياغة قواعد التجارة العالمية لسنوات قادمة.