بدأت المصافي المستقلة في الصين، المعروفة باسم "teapot"، تقليص مشترياتها من النفط الإيراني. السبب هنا لا يعود فقط إلى تشديد العقوبات الأمريكية، بل لأن Refining margins — وهي الفجوة بين تكلفة الخام وسعر المنتجات النهائية — تراجعت بشكل جعل الصفقة أقل إغراءً. ورغم أن هذه المصافي لا تزال المشتري الرئيسي لطهران، إلا أن ضيق هوامش الربح وضع "كابحاً طبيعياً" لتدفق النفط الإيراني الرخيص، في وقت تحاول فيه واشنطن سد الثغرات المالية التي تعتمد عليها إيران لتصدير نفطها.
صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها عبر استهداف المصافي وشركات الشحن، بالإضافة إلى ما يُعرف بـ "أسطول الظل" (shadow fleet)، وهي سفن تستخدم أساليب التمويه مثل إغلاق أجهزة التتبع ونقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر لإخفاء مصدر النفط. ويرى خبراء، مثل غوردون تشانغ من معهد "غاتستون"، أن الحل يكمن في توسيع العقوبات لتشمل كافة المصافي والسفن المتورطة، محذراً من أن استمرار هذه التعاملات قد يحرم تلك الكيانات من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي. وتأتي هذه الخطوات استكمالاً لإجراءات سابقة، منها عقوبات فُرضت في أبريل الماضي على شبكات تجارة النفط الإيراني في الصين، وسبقتها عقوبات ضد شركات تابعة لـ COSCO Shipping وBank of Kunlun.
تمثل الصين شريان الحياة الاقتصادي لطهران، فهي تستحوذ على نحو 90% من صادرات إيران النفطية. هذا الاعتماد يدر على طهران إيرادات ضخمة قد تصل إلى 31 مليار دولار في عام 2025، وهي مبالغ تمول تقريباً نصف ميزانية الحكومة الإيرانية، بما في ذلك الأنشطة العسكرية والإقليمية. ولتجاوز الرقابة الدولية، تُستخدم بنوك صينية وشركات واجهة في هونغ كونغ لغسل الأموال وتغيير منشأ الشحنات — التي غالباً ما تُسجل كنفط ماليزي أو عماني. ورغم هذا الدعم، بدأت الضغوط الأمريكية تترك أثراً؛ إذ انسحبت شركة CNPC الصينية من مشروع غاز إيراني بمليارات الدولارات، وتراجعت واردات الصين من ذروتها السابقة البالغة 700 ألف برميل يومياً إلى ما يزيد قليلاً عن 200 ألف برميل.
هذا التضييق يمس مصالح أطراف متعددة؛ فإيران تواجه تآكلاً في الموارد المالية التي تغذي نفوذها في الشرق الأوسط، بينما تصارع المصافي الصينية للحفاظ على جدواها الاقتصادية في ظل تقلب الأسواق ومخاطر العقوبات. بالنسبة للأسواق العالمية، قد يؤدي تراجع تدفقات النفط الإيراني إلى نقص في المعروض، لكن واقع الحال يشير إلى أن التوقف الكامل للصين عن الشراء يظل مستبعداً ما لم يحدث تحول دبلوماسي كبير، نظراً لمكانة بكين كأكبر شريك تجاري لطهران.
المرحلة المقبلة قد تشهد توتراً متصاعداً بين واشنطن وبكين إذا ما توسعت رقعة العقوبات، وهو ما سيختبر قدرة الصين على الموازنة بين الحصول على طاقة رخيصة وتجنب العقوبات الأمريكية الثانوية. ورغم أن الشركات الصينية الكبرى أظهرت حساسية تجاه هذه الضغوط وقلصت نشاطها مؤخراً، إلا أن مرونة المصافي المستقلة تعني أن هذه التجارة قد تستمر بمستويات منخفضة، إلى أن تتغير حسابات الأرباح أو تزداد صرامة الرقابة بشكل لا يمكن تجاوزه.