زار مدير CIA، جون راتكليف، كوبا يوم الخميس في خطوة تاريخية تمثل أحد أرفع اللقاءات بين المسؤولين الأمريكيين والكوبيين منذ سنوات. تأتي هذه التحركات الدبلوماسية النادرة في وقت تعيش فيه كوبا أزمة طاقة طاحنة، حيث تعاني الجزيرة من انهيارات واسعة في شبكة الكهرباء الوطنية ونقص حاد في النفط والغاز بفعل العقوبات الأمريكية. راتكليف التقى بمسؤولين كوبيين كبار، من بينهم راؤول غييرمو "راوليتو" رودريغيز كاسترو، حفيد الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو، بالإضافة إلى وزير الداخلية لازارو ألفاريز كاساس ورئيس جهاز المخابرات الكوبية.
حملت الزيارة رسالة مباشرة من إدارة الرئيس ترامب، مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي والأمني مع كوبا، ولكن بشرط واحد: تنفيذ هافانا لما وصفه المسؤولون بـ "تغييرات جوهرية". وبحسب مسؤولي CIA، نقل راتكليف أن إدارة ترامب تقدم "فرصة حقيقية للتعاون" تهدف إلى استقرار الاقتصاد الكوبي المترنح، مع التحذير بأن هذه الفرصة لن تظل متاحة للأبد، وأن الإدارة ستفرض "خطوطاً حمراء" إذا لزم الأمر. وأوضح مسؤول في CIA أن النقاشات تركزت على التعاون الاستخباراتي والاستقرار الاقتصادي والقضايا الأمنية، مع تفاهم صريح بأن كوبا لا يمكنها الاستمرار كملجأ لخصوم أمريكا في منطقة Western Hemisphere.
خلال الاجتماع، حاول الوفد الكوبي إقناع الجانب الأمريكي بأن بلادهم لا تشكل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة، وطالبوا برفع اسم كوبا من قائمة state sponsors of terrorism، وهو التصنيف الذي فُرض خلال ولاية ترامب الأولى. ومن جانبه، أكد الإعلام الرسمي الكوبي وقوع الاجتماع علناً، واصفاً إياه بأنه جزء من جهود أوسع للحفاظ على الحوار السياسي رغم ما وصفه المسؤولون بـ "العلاقات الثنائية المعقدة". ويعكس قبول الحكومة الكوبية لاستضافة مدير CIA علناً وهو عضو في إدارة ترامب اهتمام بعض المسؤولين في هافانا بالسعي نحو المفاوضات وتهدئة التوترات.
يعكس توقيت زيارة راتكليف الظروف المتدهورة التي يواجهها الشعب الكوبي، حيث تصارع الجزيرة نقصاً حاداً في الوقود وتراجعاً اقتصادياً يرجعه المسؤولون بشكل كبير إلى العقوبات الأمريكية. وفي الوقت ذاته، أرسلت العقوبات الطارئة التي فرضها وزير الخارجية ماركو روبيو مؤخراً رسالة واضحة للشركات بأن التعامل مع الحكومة الكوبية ستكون له تبعات مالية، مما زاد من صعوبة استمرار عمل الشركات الأجنبية في الجزيرة. وقد أدت أزمة الطاقة إلى تفاقم هذه الصعوبات، مما خلق حالة من الاستعجال حول المفاوضات المحتملة.
ومن اللافت أن المسؤولين الأمريكيين أكدوا يوم الخميس أن الإدارة تتخذ في الوقت نفسه خطوات لتوجيه اتهام لراؤول كاسترو، البالغ من العمر 94 عاماً، فيما يتعلق بحادثة إسقاط كوبا لطائرات تابعة لمنظمة Brothers to the Rescue الإنسانية عام 1996، وهي الحادثة التي أسفرت عن مقتل أربعة طيارين. هذا النهج المزدوج الذي يجمع بين الانفتاح والمحاسبة يعكس موقف الإدارة المعقد تجاه كوبا: عرض التعاون الممكن مع السعي لتحقيق العدالة عن أفعال الماضي والاستمرار في ممارسة الضغوط عبر العقوبات.
يأتي هذا اللقاء بعد تصريحات علنية للرئيس ترامب مطلع هذا الأسبوع أشار فيها إلى أن المحادثات مع كوبا باتت وشيكة، قائلاً إن "كوبا تطلب المساعدة" وموضحاً أن النقاشات ستبدأ "في الوقت المناسب". وأشارت التقارير إلى أن راتكليف شجع المسؤولين الكوبيين على الاستفادة من دروس عملية 3 يناير التي أدت إلى إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما يوحي بأن الإدارة ترى الانتقال السياسي في فنزويلا نموذجاً للتغيير المحتمل في كوبا. تمثل هذه المباحثات تطوراً دبلوماسياً كبيراً في لحظة تواجه فيها كوبا تحديات اقتصادية وتحديات طاقة متزايدة، وإن كان من غير المؤكد بعد ما إذا كانت ستؤدي إلى مفاوضات جوهرية أو تغييرات ملموسة في السياسات.