أرسل اثنان من كبار مسؤولي البنوك المركزية في أوروبا إشارات واضحة يوم الخميس بأن القفزة الأخيرة في أسعار الطاقة قد تضطرهم للعودة إلى تشديد السياسة النقدية مرة أخرى، ما يعكس كيف بدأت صدمة النفط الناتجة عن الصراعات في تعقيد مهمة كبح التضخم. وبحسب تقارير وكالة Bloomberg، ذكر يانيس ستورناراس، عضو مجلس المحافظين في الـ ECB، أن البنك قد يضطر لرفع تكاليف الاقتراض إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة، بينما جادل هيو بيل، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، بأن انتقال آثار التضخم القوية الناتجة عن صدمة الطاقة المرتبطة بإيران قد يستدعي رفع أسعار الفائدة.
يانيس ستورناراس، الذي يُعرف عادةً بهدوئه وميله لتجنب التشديد في البنك المركزي الأوروبي، حذر في تصريحات نقلتها وكالة أنباء أثينا من أن بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة لن يمر بسلام على اقتصاد منطقة اليورو. وتشير تصريحاته إلى أن حتى صانعي السياسات الذين كانوا يفضلون التريث، أصبحوا يركزون بشكل متزايد على خطر أن تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى إبقاء أسعار المستهلكين فوق المستهدف لفترة أطول مما كان متوقعاً. لقد قضى الـ ECB معظم العامين الماضيين في محاولة خفض التضخم من ذروته التي وصل إليها بعد الجائحة، لكن صدمة نفطية مطولة قد تعطل هذا التقدم أو تعكس مساره.
يأتي هذا التحذير في وقت تراقب فيه أوروبا أسواق الطاقة بقلق بعد الاضطرابات المرتبطة بالصراع الإيراني. تكمن خطورة أسعار النفط في أنها لا تؤثر فقط على وقود السيارات وتكاليف النقل وطاقة المنازل، بل تمتد آثارها لتشمل الاقتصاد ككل عبر زيادة مصاريف الشركات التي تعتمد على الشحن والتصنيع والمواد الخام. وإذا نُقلت هذه التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، فقد يظل التضخم "عنيداً" ويصعب خفضه حتى لو تباطأ الطلب في قطاعات أخرى.
في بنك إنجلترا، لم تختلف رسالة هيو بيل كثيراً؛ حيث أكد أن البنك المركزي يجب أن يكون مستعداً لرفع الفائدة لمواجهة الضغوط السعرية "القوية" التي قد تنجم عن صدمة الطاقة الإيرانية. وتعد هذه إشارة على دعم سياسة أكثر حزماً إذا بدأ التضخم في ترسيخ نفسه داخل الاقتصاد البريطاني. وكان بنك إنجلترا قد حذر بالفعل من أن الصراع قد يؤدي إلى سيناريوهات متفاوتة، تبدأ من تأثيرات تضخمية محدودة وتصل إلى صدمة سعرية حادة وطويلة الأمد.
بجمع هذه التصريحات، يتضح أن البنوك المركزية الكبرى لا تتعامل مع قفزة أسعار الطاقة كمجرد موجة عابرة في السوق، بل كتهديد حقيقي لاستقرار الأسعار قد يتطلب رداً حاسماً. وهذا الأمر يمس مباشرة حياة الناس والشركات؛ لأن رفع الفائدة يعني تكاليف أعلى على القروض والرهون العقارية، في وقت تعاني فيه الميزانيات أصلاً من فواتير الطاقة المرتفعة.
في الوقت الحالي، يظل صانعو السياسة في حالة ترقب للبيانات (Data-dependent). وستعتمد خطواتهم القادمة على المدة التي ستظل فيها أسعار النفط مرتفعة، وما إذا كانت هذه الصدمة ستنتقل إلى الأجور وأسعار السلع الأخرى، ومدى استقرار توقعات التضخم. لكن تصريحات ستورناراس وبيل توحي بأنه إذا تعمقت أزمة الطاقة، فإن فكرة خفض أسعار الفائدة قد تُستبعد تماماً، وقد تعود طاولة النقاش لاستعراض جولة جديدة من التشديد.