في انقسام تاريخي هو الأول من نوعه منذ 34 سنة، ثبّت الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة الرئيسية بين 3.5% و3.75% خلال اجتماع مفصلي يوم الأربعاء، في خطوة تمثل على الأرجح مشهد الوداع لجيروم باول كرئيس للبنك. وصوتت لجنة Federal Open Market Committee على الإبقاء على معدلات الفائدة الحالية وسط موجة تضخم مدفوعة بأسعار النفط، وضبابية اقتصادية زادت حدتها بسبب الصراعات في الشرق الأوسط، ليختتم باول مؤتمره الصحفي الأخير بعد ثماني سنوات من القيادة.
القرار جاء وسط حالة انقسام واضحة بين صناع السياسات، حيث تحاول اللجنة الموازنة بين ضغوط التضخم المستمرة وبين انتقال وشيك للقيادة. ولأول مرة منذ عام 1992، ظهر هذا المستوى من الخلاف العلني داخل الفيدرالي، وهو ما يعكس التوتر بين الرغبة في الحفاظ على استقرار الفائدة وبين ضرورة الاستجابة للمخاطر العالمية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة الذي يضغط على التضخم العام. وأكد باول أن السياسة النقدية لا تزال مرهونة بالبيانات (Data-dependent)، ولا يوجد مسار محدد مسبقاً، بل ستُتخذ القرارات في كل اجتماع على حدة.
وفي كلمته الختامية، هنأ باول مرشح الرئيس ترامب، Kevin Warsh، الذي حصل على الضوء الأخضر من لجنة البنوك بمجلس الشيوخ لقيادة الفيدرالي مستقبلاً. ويمثل تقدم Warsh خطوة كبيرة نحو رئاسة أقوى بنك مركزي في العالم، وهي إشارة لتحول سياسي فتح باب التكهنات حول استقلالية الفيدرالي. وأعلن باول أنه سيبقى في البنك بصفة معينة بعد الفترة الانتقالية، لضمان الاستمرارية في هذه اللحظة التي وُصفت بأنها "وداع ومواجهة".
سلط هذا الاجتماع في واشنطن الضوء على المهمة المزدوجة للفيدرالي، وهي تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار، وهي مهمة تعقدت بفعل التوترات الجيوسياسية. وزادت التطورات في الشرق الأوسط من ضبابية المشهد، حيث أشار باول إلى أن البنك يراقب بحذر المخاطر المتعلقة بالوظائف والتضخم معاً. ومع أن الأسواق كانت تتوقع تثبيت الفائدة، إلا أن الانقسام الداخلي وتغيير القيادة أعطى هذا الاجتماع أهمية استثنائية.
وتمتد آثار هذا القرار لتصل إلى المواطن الأمريكي والأسواق العالمية، فثبات الفائدة يعني بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الصراعات الدولية قد يضعف القدرة الشرائية للأسر في جميع أنحاء البلاد. ويراقب المستثمرون الآن عملية تثبيت Warsh في منصبه عن كثب، حيث يمكن لقيادته أن توجه قرارات خفض أو رفع الفائدة مستقبلاً بأسلوب يختلف عن نهج باول.
وبالنظر للمستقبل، يجهز الفيدرالي نفسه لتعديل سياسته بناءً على البيانات الواردة، مع تأكيد باول على المرونة في توقيت وحجم أي تغييرات قادمة. ويثير تسليم القيادة تساؤلات جدية حول استقلالية البنك المركزي وسط الضغوط السياسية، وهو قلق جوهري ظهر بوضوح في مداولات يوم الأربعاء. ومع استعداد Warsh لتولي الدفة، ستكون الاجتماعات القادمة اختباراً حقيقياً لقدرة الفيدرالي على إدارة هذه التحديات دون حدوث تصدعات إضافية.