تكتشف الشركات حول العالم اليوم خللاً جوهرياً في طريقتها لتطوير ابتكارات AI؛ فهي تبني الحلول من الداخل إلى الخارج، بدلاً من البدء من احتياج العميل والعودة منه إلى التقنية. أبحاث McKinsey تشير إلى أن هذا الانفصال يكلف الشركات الكثير؛ فرغم سنوات من الاستثمار الرقمي، لم تحقق الشركات إلا أقل من ثلث القيمة المتوقعة من تلك المصاريف. المشكلة الأساسية هي أن أغلب الشركات الكبرى تبدأ بتحديد قدراتها التقنية الحالية ثم تحاول "حشر" تطبيقات العملاء داخل هذه الأنظمة، بدلاً من البدء بما يحتاجه العميل فعلاً وهندسة الحلول بناءً على ذلك.
هذا النهج المقلوب للابتكار تترتب عليه نتائج عميقة. فعندما تقدم الشركات قدراتها الداخلية على مطالب العملاء، تكون النتيجة حلولاً مجزأة تفشل في تلبية احتياجات السوق الحقيقية بشكل متكامل. هنا تظهر أنظمة مفككة؛ مجموعات تقنية (Technology stacks) لا تتواصل بفعالية، وتجارب عملاء تبدو مشتتة عبر نقاط التواصل المختلفة، وفي النهاية تظل القيمة محبوسة بدلاً من تحقيقها. يظهر هذا التحدي بوضوح في القطاعات المنظمة مثل التمويل، حيث يزيد تبني AI من تعقيد المشهد؛ فالموظفون في أقسام المالية بدأوا بالفعل في استخدام أدوات AI بشكل مستقل، وغالباً ما يتحركون بسرعة أكبر من قدرة القيادة على وضع أطر الحوكمة (Governance) والإشراف الاستراتيجي، مما يخلق فجوة بين الابتكار العفوي والسياسات الرسمية.
الحل يكمن في قلب نموذج تطوير المنتجات التقليدي. بدلاً من السؤال "ماذا يمكن لتقنيتنا أن تفعل؟"، يجب على الشركات أن تسأل "ماذا يحتاج عملاؤنا؟"، ثم تعمل بشكل عكسي انطلاقاً من هذه الإجابات لتحديد القدرات التقنية التي تخدم تلك الاحتياجات. هذا النهج، المسمى الهندسة من العميل إلى الوراء (Customer-back engineering)، يتماشى مع أفضل الممارسات في تبني AI التي تؤكد على البدء بمشكلات المستخدم لا بالإمكانات التقنية. الدراسات حول تجارب AI الناجحة في مختلف الصناعات — من تقليص GE لزمن تصميم التوربينات بشكل هائل، إلى ابتكارات BASF الجزيئية المدعومة بـ AI — تظهر دائماً أن المشاريع الأكثر تأثيراً تبدأ بفهم واضح لنقاط الألم لدى العميل أو أهداف العمل، ثم اختيار أو بناء أدوات AI لتعالجها خصيصاً.
بالنسبة للشركات التي تسعى لهذا التحول، يتطلب الطريق استراتيجية واعية وتجربة مستمرة. وبدلاً من إطلاق عمليات تحول ضخمة وشاملة في AI، يتخذ المبتكرون الناجحون خطوات مدروسة: تحديد مكاسب سريعة، وتوضيح القيمة المقترحة (Value propositions)، وبناء الزخم عبر نجاحات مبكرة تلهم تغييراً ثقافياً أوسع. قد يشمل ذلك برامج تجريبية لمدة ثلاثة أشهر، أو ورش عمل مركزة، أو تدريب مخصص يساعد الفرق على فهم كيف يمكن لـ AI خدمة عملائهم بشكل أفضل. السر يكمن في التجربة مع حالات استخدام (Use cases) فعلية بدلاً من قدرات مجردة، واختبار الحلول مع مستخدمين حقيقيين وتطويرها بناءً على ملاحظاتهم.
الرهان على تنفيذ هذا التوجه بشكل صحيح كبير جداً. الشركات التي تتقن هندسة AI انطلاقاً من احتياج العميل هي التي ستقتنص القيمة التي يتركها المنافسون خلفهم. أما الشركات التي تستمر في بناء الحلول حول قدراتها الداخلية، فهي تخاطر بمراكمة ديون تقنية (Technological debt) باهظة التكلفة، مع البقاء في حالة عمى عن الفرص الحقيقية في السوق. ومع تحول AI ليصبح ركيزة أساسية في استراتيجية الأعمال، فإن الفرق بين النهج الذي يضع التقنية أولاً والنهج الذي يضع العميل أولاً هو ما سيحدد أي الشركات ستزدهر، وأيها ستتعثر في حصد العوائد الموعودة من استثماراتها الرقمية وفي مجال AI.