يقضي مصرفيو Goldman Sachs حالياً أغلب وقتهم في التركيز على موضوع واحد: تمويل بناء مراكز البيانات (Data centers) المخصصة للذكاء الاصطناعي، بحسب تقرير Bloomberg. ومع تراجع صفقات الديون المتعلقة بعمليات الاستحواذ والاندماج في السوق، بدأت فرق التمويل المدعوم بالقروض (Leveraged finance) تتوجه نحو البنية التحتية الضخمة التي يتطلبها الذكاء الاصطناعي باعتبارها المحرك الأساسي للنشاط المالي.
هذا التحول يوضح السرعة التي انتقل بها الذكاء الاصطناعي من مجرد "قصة تقنية" إلى "قصة تمويل". فبناء Data centers يتطلب مبالغ ضخمة من الديون واستثمارات طويلة الأجل، وهو ما جعلها ركيزة أساسية للبنوك التي تعتمد في أرباحها على ترتيب القروض وغيرها من أشكال تمويل الشركات. بالنسبة لـ Goldman Sachs ومنافسيها، أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي هي التي تشكل تدفق الصفقات في القطاع بأكمله.
هذا الزخم نفسه يلقي بظلاله على النظام البيئي للذكاء الاصطناعي بشكل أوسع؛ إذ ذكرت تقارير Business Insider أن Sam Altman يدعم "بصمت" شركة ناشئة غامضة أسسها مصمم سابق في Tesla، تعمل على تطوير برمجيات للروبوتات والسيارات. وهذا مؤشر على أن المستثمرين ما زالوا يضخون أموالهم فيما يعرف بـ "الذكاء الاصطناعي الفيزيائي" (Physical AI)، حيث يتجاوز الاهتمام مجرد برامج الدردشة والأدوات البرمجية ليصل إلى الآلات التي تتفاعل مع العالم المادي.
وفي الوقت ذاته، يزداد الجدل حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل حدة. فقد أظهر استطلاع أجرته شركة Mercer في أستراليا أن أغلب الشركات هناك تتوقع أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في إلغاء ما يصل إلى 20% من الوظائف خلال عامين، في وقت تراجعت فيه ثقة الموظفين وزادت مخاوفهم من عمليات إعادة الهيكلة. وفي ظهور حديث له، أشار Sam Altman، رئيس OpenAI، إلى أن بعض الشركات تمارس ما وصفه بـ "غسيل الذكاء الاصطناعي" (AI washing) لتبرير تسريح الموظفين، عبر إلقاء اللوم على التقنية في قرارات تقليص العمالة التي كانت تخطط لها بالفعل، رغم تأكيده أن الشركات الأكثر تبنياً للذكاء الاصطناعي لا تزال مستمرة في التوظيف.
أما بالنسبة للموظفين الشباب، فإن الرسائل القادمة من قادة هذا المجال بدأت تتحول من المسارات المهنية الدائمة نحو المرونة المطلقة. فقد اقترح الباحث في OpenAI، غابرييل بيترسون، أن يتعامل الموظفون الجدد في قطاع التقنية مع وظائفهم وكأنها "تجربة قيادة" (Test drives)، وأن يكونوا مستعدين للتنقل بين الشركات في بداياتهم. تعكس هذه النصيحة سوق عمل لا يغير فيه الذكاء الاصطناعي نوعية الوظائف المتاحة فحسب، بل يعيد صياغة الطريقة التي تُبنى بها المسيرة المهنية من الأساس.
الخلاصة هنا أن الذكاء الاصطناعي بات يؤثر على شقي الاقتصاد معاً: تمويل البنية التحتية الجديدة الضخمة، ومستقبل العمل نفسه. في "وول ستريت"، يعني هذا تركيزاً مكثفاً على Data centers والديون اللازمة لتمويلها، أما في سوق العمل، فيعني حالة من عدم اليقين حول الوظائف التي ستنمو وتلك التي ستتقلص، ومدى سرعة تأقلم أصحاب العمل مع هذا الواقع الجديد.