تسببت الحرب الدائرة بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي في أزمة وقود عالمية هي الأشد في التاريخ، حيث تتوقع وكالة الطاقة الدولية (IEA) انخفاضاً في إمدادات النفط العالمية بمقدار 3.9 مليون برميل يومياً طوال عام 2026. هذا الاضطراب غير المسبوق يعود بشكل أساسي إلى إغلاق إيران لمضيق هرمز في 4 مارس، ما أدى لتعطل نحو 20% من تجارة النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال LNG. ورغم إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل، إلا أن حركة السفن عبر المضيق لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما تسبب في خسائر إمدادات تجاوزت مليار برميل من منتجي الخليج وحدهم.
قفزت أسعار النفط بشكل حاد نتيجة لهذه التطورات، حيث ارتفع خام Brent بنسبة تتراوح بين 10-13% ليصل إلى 80-82 دولاراً للبرميل بحلول أوائل مارس، ثم تجاوز لاحقاً حاجز 120 دولاراً. ويحذر تقرير سوق النفط الشهري الصادر عن وكالة الطاقة الدولية من أن السوق سيعاني نقصاً حاداً في الإمدادات حتى الربع الثالث من عام 2026، مع عجز قد يصل في الربع الثاني إلى 6 ملايين برميل يومياً، حتى لو انتهى الصراع فعلياً بحلول أوائل يونيو. وفي الوقت نفسه، تتآكل المخزونات العالمية بوتيرة قياسية، إذ تشير تقديرات Morgan Stanley إلى انخفاض قدره 4.8 مليون برميل يومياً في الفترة ما بين 1 مارس و25 أبريل، مما جعل المخزونات عند مستويات حرجة وضاعف من مخاطر حدوث قفزات سعرية هائلة ونقص مادي في الوقود.
حذرت مدير عام صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، من أن استمرار أسعار النفط المرتفعة حتى عام 2027 يشير إلى خطر جدي بوقوع ركود اقتصادي عالمي. وتتلاقى هذه التحذيرات مع مخاوف وكالة الطاقة الدولية، التي وصف رئيسها الوضع بأنه "أكبر تحدٍ لأمن الطاقة العالمي في التاريخ". من جهتها، خفضت منظمة OPEC توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2026 تحت ضغط الحرب، وهو ما يعكس تراجع الاستهلاك بسبب ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات. ومن المتوقع الآن أن ينخفض الطلب بواقع 420 ألف برميل يومياً هذا العام، مقارنة بتقدير سابق كان عند 80 ألف برميل، نتيجة تقليص المصانع والمستهلكين لإنفاقهم.
لا تقتصر الأزمة على النفط وحده، بل امتدت لتعطل إمدادات LNG والمشتقات البترولية ومادة اليوريا المستخدمة في الأسمدة، مما يهدد الأمن الغذائي ويرفع معدلات التضخم عالمياً. وأعلنت دول تعتمد بكثافة على واردات الخليج، مثل الفلبين وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا وفيتنام، حالة الطوارئ أو واجهت نقصاً حاداً، زاد من سوءه عمليات الشراء الهلعة وإضرابات قطاع النقل. وفي الهند، ضرب نقص غاز الطهي المنازل، بينما يعاني السائقون في الولايات المتحدة من تحليق أسعار البنزين، واضطرت شركات الطيران عالمياً لإلغاء رحلاتها. وفي الأسواق المالية، تراجعت البورصات وشهدت أسواق السندات عمليات بيع واسعة، بينما تواجه البنوك المركزية مأزقاً في تحديد أسعار الفائدة وسط تصاعد التضخم ومخاطر الركود التضخمي (Stagflation).
تواجه اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي انهياراً هيكلياً في نماذجها المعتمدة على النفط، حيث أعلنت قطر للطاقة حالة Force majeure (القوة القاهرة) على صادراتها. ومع أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع فائضاً طفيفاً في السوق بحلول الربع الرابع إذا فُتح مضيق هرمز تدريجياً، إلا أن المحللين ينبهون إلى أن استنزاف المخزونات سيترك النظام العالمي هشاً أمام أي صدمات جديدة. ويتوقع JPMorgan أن موازنة الإمدادات قد تتطلب "تدميراً للطلب" (Demand destruction) يصل إلى 5.6 مليون برميل يومياً من يونيو وحتى سبتمبر، ما قد يؤدي لصدمات اقتصادية كلية في آسيا بحلول أوائل يونيو، وفي أوروبا بعدها بفترة وجيزة. ورغم مساعي الحكومات للسيطرة على هذه الضغوط، يظل طريق التعافي معلقاً بإنهاء الصراع تماماً وإعادة فتح المضيق بالكامل.