دخل الصراع في الشرق الأوسط شهره الثالث، ومع إغلاق مضيق هرمز أمام معظم السفن، بدأت ملامح أزمة وقود تلوح في أفق آسيا. هذا الوضع أعاد تسليط الضوء على ممر مائي لا يقل أهمية: مضيق ملقا. هذا الممر الضيق الذي يفصل بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند، يمر عبره أكثر من خمس التجارة البحرية العالمية، مما يجعله شريان الحياة الرئيسي لواردات الطاقة في شرق آسيا. وحسب ما نقلته Bloomberg، فإن ما يحدث في هرمز أثار مخاوف حقيقية من أن ثغرات مشابهة قد تشل حركة التجارة في النصف الآخر من العالم.
يمتد مضيق ملقا على طول 900 كيلومتر، وهو أقصر طريق بحري يربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا. يومياً، تمر عبره نحو 23 مليون برميل من النفط، وهو ما يمثل 29% من إجمالي تدفقات النفط البحري عالمياً. النقطة الأكثر حرجاً تقع في "قناة فيليبس" (Phillips Channel) بمضيق سنغافورة، حيث يضيق الممر ليصل عرضه إلى 1.7 ميل فقط. هذا الضيق يحول المنطقة إلى عنق زجاجة طبيعي، تزيد فيه احتمالات الاصطدام أو جنوح السفن أو حتى التسرب النفطي بسبب كثافة الحركة والمياه الضحلة. بالنسبة لـ الصين، الرهان كبير جداً؛ فبناءً على بيانات Vortexa التي استشهدت بها Reuters، تمر 75% من وارداتها النفطية القادمة من الشرق الأوسط وأفريقيا عبر هذا الطريق. وتؤكد Japan Times أن أزمة هرمز أجبرت صناع القرار في آسيا على مواجهة هذه المخاطر وجهاً لوجه.
تعيش الدول الآسيوية بالفعل ضغوطاً حادة في قطاع الطاقة بسبب حصار هرمز، حيث لا يزال نحو 20 ألف بحار عالقين على متن 2,000 سفينة نتيجة التوترات بين أمريكا وإيران التي بدأت في أواخر فبراير. تشير Bloomberg Economics إلى أن الدول بدأت تتحرك دبلوماسياً وتقدم دعماً مالياً لمواجهة نقص الإمدادات، لكن هشاشة مضيق ملقا تزيد الموقف تعقيداً. أي إغلاق هناك—سواء بسبب صراع في بحر الصين الجنوبي، أو توترات في مضيق تايوان، أو حتى حادث عرضي—سيجبر السفن على اتخاذ طرق بديلة مكلفة حول إندونيسيا، مما يضيف أياماً إلى الرحلة ويرفع أسعار الوقود عالمياً. وكما ترى منصة Modern Diplomacy، فإنه رغم تراجع عمليات القرصنة بفضل الدوريات المشتركة، تظل البنية الهيكلية للمضيق تذكرنا بمدى ضعف سلاسل التوريد العالمية.
القوى الإقليمية تدرك تماماً ضرورة حماية هذا الممر. وزير الخارجية الماليزي، محمد حسن، أكد في منتدى أخير أن القرارات الأحادية لا مكان لها، حيث تنسق ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وتايلاند دورياتها لضمان بقاء المضيق مفتوحاً. سنغافورة من جهتها جددت التزامها بحرية الملاحة ورفضت أي رسوم أو قيود، بينما تراجعت وزيرة مالية إندونيسيا سريعاً عن فكرة فرض رسوم مرور—على غرار ما تفعله إيران في هرمز—بعدما واجهت انتقادات بأنها فكرة غير عملية وتضر بالمصداقية. آرسينيو دومينغيز، رئيس المنظمة البحرية الدولية (IMO)، حذر من أن مثل هذه الممرات الحيوية تحول السفن وأطقمها إلى "ورقة ضغط جيوسياسية"، واضعاً ملقا في نفس خانة السويس وباب المندب كنقاط اشتعال محتملة.
تكمن أهمية أزمة هرمز في كونها كشفت كيف أن التجارة العالمية معلقة بخيط رفيع من الممرات الهشة، وهو ما يؤثر على الجميع، من المصانع الصينية وصولاً إلى المستهلك في أوروبا. تواجه اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ فترة طويلة من عدم اليقين بشأن الوقود، مع ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر في ملقا. ما سيحدث لاحقاً يعتمد على تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط، لكن حالة الاستنفار الحالية—من الدوريات المكثفة إلى البحث عن طرق بديلة—تؤكد أننا دخلنا مرحلة جديدة من الحذر تجاه هذه الشرايين التجارية الحساسة.