أكد جهاد أزغور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، أن السعودية تملك مصدات مالية قوية تمنحها القدرة على مواجهة تبعات الصراعات الإقليمية المستمرة. ووصف أزغور الوضع الحالي بأنه "صدمة متعددة الأبعاد" تضرب منطقة الشرق الأوسط ككل، لكنه شدد على أن المملكة في وضع آمن بفضل احتياطياتها الأجنبية والمالية الضخمة. وفي حديثه لصحيفة "الشرق الأوسط"، أوضح أزغور أن هذه المصدات تشمل أصولاً خارجية صافية قوية ومستويات دين منخفضة، مما يضع السعودية بين أقل دول العالم مديونية بنسبة تصل إلى نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي.
لقد أظهر الاقتصاد السعودي متانة واضحة وسط هذه الضغوط؛ حيث توسعت القطاعات غير النفطية، وظل التضخم تحت السيطرة، بينما سجلت البطالة مستويات قياسية من الانخفاض، وفقاً لبيان ختام بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 التابعة للصندوق. وبحلول نهاية عام 2024، بلغت الأصول الخارجية الصافية لدى البنك المركزي السعودي 415 مليار دولار، وهو مبلغ يغطي احتياجات الاستيراد لمدة 15 شهراً، ويتجاوز بكثير المعايير المعتادة لكفاية الاحتياطي. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن هذه الاحتياطيات واصلت صعودها لتصل إلى ذروة لم تشهدها منذ ست سنوات، مسجلة 475 مليار دولار في أوائل عام 2026، مدعومة بزيادة حيازات العملات الأجنبية والمساهمات في جهود الاستقرار المالي العالمي، بما في ذلك اتفاقية كبرى مع صندوق النقد لتطوير القدرات.
تكتسب هذه المصدات أهمية حيوية في وقت تدير فيه المملكة عجزاً مزدوجاً في المالية العامة والحساب الجاري، نتيجة تراجع عوائد النفط وزيادة الواردات المرتبطة بالاستثمارات الضخمة. وهنا يدعم صندوق النقد فكرة قبول عجز مالي لعام 2025 يكون أعلى مما كان مخططاً له في الميزانية؛ والهدف هو تجنب سياسات التقشف التي قد تضر بالنمو، خاصة وأن الدين العام لا يزال منخفضاً عند حوالي 26% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتمد السعودية في تمويل هذا العجز على الاقتراض الخارجي، والسحب من الودائع، مع تقليل وتيرة تراكم الأصول الخارجية، مدعومة في ذلك بمحفظة صندوق الاستثمارات العامة، وهو ما يضمن الحفاظ على تغطية الواردات لمدة تتراوح بين 11 إلى 12 شهراً على المدى المتوسط.
تداعيات الحرب الإقليمية تبرز بوضوح سبب أهمية نقاط القوة المالية هذه؛ فهي تعمل كدرع يحمي السعودية ومنطقة الخليج من الاضطرابات الأوسع، مثل التهديدات التي قد تطال طرق التجارة، بينما توفر المسارات البديلة للتصدير مثل "خط أنابيب شرق-غرب" مرونة إضافية. وقد لفتت وكالة ستاندرد آند بورز النظر إلى التصنيف الائتماني المستقر للمملكة وسياساتها الحصيفة، مشيرة إلى أن سنوات الإصلاح نجحت في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الخدمات اللوجستية. هذا الاستقرار لا يخدم المملكة وحدها، بل يؤثر على الملايين في المنطقة عبر دعم الوظائف في القطاعات غير النفطية ومشاريع رؤية 2030 رغم حالة عدم اليقين العالمية.
وبالنظر إلى المستقبل، يوصي صندوق النقد الدولي بإجراء تعديلات مالية تشمل فرض ضرائب أعلى على العقارات، وتوسيع نطاق ضريبة القيمة المضافة، وإنهاء دعم الطاقة، وكبح نمو الأجور لتقليص العجز في السنوات المقبلة، والذي يُتوقع أن ينخفض إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 من خلال إعادة معايرة الإنفاق على مشاريع الرؤية. وفي القطاع المصرفي، تهدف إجراءات مثل رفع المصدات الرأسمالية التحوطية وضبط نسب الإقراض إلى معالجة مخاطر نمو الائتمان دون تعطيل الطموحات الاقتصادية. ويظل ربط الريال بالدولار هو الركيزة الأساسية لسياسة سعر الصرف، مما يضمن الاستقرار بينما توازن السعودية بين استيعاب صدمات الحرب ومواصلة التحول الاقتصادي طويل الأمد.