التضخم في منطقة اليورو وصل لأعلى مستوياته منذ أكثر من سنتين، والسبب دخول الحرب في إيران شهرها الثاني، ما أدى لارتفاع تكاليف الطاقة والضغط على اقتصاد المنطقة بالكامل. الخبراء يتوقعون حالياً قفزة كبيرة في الأسعار خلال شهر أبريل، مع آثار واضحة بدأت تظهر على الشركات والمستهلكين وحركة التجارة العالمية. تقارير Bloomberg تشير إلى أن هذا الارتفاع يهدد بتعطيل مسار التعافي الاقتصادي، ويجبر البنوك المركزية على إعادة التفكير في سياساتها النقدية.
ألمانيا، التي تعتبر المحرك الأساسي للاقتصاد الأوروبي، تعيش هذه الضغوط بشكل مباشر. التوقعات الاقتصادية هناك تراجعت لأسوأ مستوى لها منذ عام 2023، وبشكل فاق التقديرات السابقة، حيث أدت أسعار الطاقة المرتفعة بسبب الصراع في إيران إلى إضعاف آمال الانتعاش. الشركات اليوم تصارع تكاليف تشغيل عالية قد تؤدي لتباطؤ النمو وتقليل التوظيف، وهو ما يمس ملايين الموظفين والعائلات التي تعاني أصلاً من موجات التضخم السابقة.
هذه الضغوط لا تتوقف عند حدود أوروبا؛ ففي الولايات المتحدة، رفع المحللون توقعاتهم للتضخم، وأصبحوا يتوقعون أن يقوم Federal Reserve بخفض الفائدة مرة واحدة فقط هذا العام بسبب الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة. وفي سياق متصل، حذر بيتر كازيمير، عضو مجلس المحافظين في البنك المركزي الأوروبي، من أن زيادة طفيفة في أسعار الفائدة قد تكون ضرورية قريباً لمواجهة الغلاء، ما يشير إلى تحول محتمل بعيداً عن سياسات التسهيل النقدي.
على الصعيد العالمي، دفع تأثير الحرب على تكاليف النفط المصدرين إلى تحميل هذه الأعباء للمستهلكين. المصانع الصينية مثلاً بدأت ترفع أسعار منتجات مختلفة، من ملابس السباحة إلى أجهزة التكييف، وهذا قد يسرع من وتيرة التضخم عالمياً مع تدفق هذه البضائع للأسواق الدولية. هذا التطور يمثل إنذاراً للمتسوقين والتجار في كل مكان، وقد يعيد إشعال أزمات غلاء المعيشة من جديد.
في المقابل، تبدو الصين أكثر صموداً وسط هذه الفوضى. قلصت بكين من حزم التحفيز المالي في شهر مارس، حيث انخفض الإنفاق على البنية التحتية بنسبة 8.5% وتراجع إجمالي النفقات المالية بنسبة 2.5%، وهو أكبر انخفاض منذ سنوات، بعد انتعاش اقتصادي شهدته بداية العام. وبحسب تقارير Bloomberg ووسائل إعلام مثل Moneycontrol وThe Business Times، فإن هذا التراجع يعكس ثقة الحكومة الصينية في قدرة اقتصادها على التماسك رغم اضطرابات الحرب، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى إجراءاتها الاستباقية في تأمين احتياجات الطاقة.
ما سيحدث في المرحلة المقبلة لا يزال غير مؤكد ولكنه حاسم. البنوك المركزية أمام توازن دقيق؛ فرفع الفائدة قد يخنق النمو، بينما البقاء دون تحرك قد يترك التضخم يخرج عن السيطرة. على الحكومات والشركات التعامل مع أسواق طاقة متقلبة، بينما تظل الأسر هي من يتحمل الفواتير المرتفعة للوقود والتدفئة والسلع الأساسية. طول أمد الحرب في إيران هو الذي سيحدد ما إذا كانت هذه القفزة في الأسعار مجرد أزمة مؤقتة، أم بداية لعاصفة اقتصادية أوسع تؤثر على المليارات.