تشير البيانات الجديدة وإشارات السوق إلى عودة الحرارة لمعدلات التضخم في أكبر اقتصادات منطقة اليورو؛ إذ يبدو أن المنطقة لا تزال في طور استيعاب صدمة طاقة جديدة تسببت فيها الحرب في إيران. وبحسب Bloomberg Economics، من المرجح أن الأسعار في أكبر أربعة اقتصادات في منطقة اليورو قد قفزت بحدة خلال شهر مايو، أو على الأقل ظلت عند مستويات مرتفعة، وهو ما يعزز المخاوف من أن التضخم لم يُلجم تماماً بعد، ويقوي الحجة الداعية لرفع إضافي في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي.
الضغوط تظهر بوضوح في قطاع الطاقة أولاً، لكنها بدأت تتسرب تدريجياً إلى مفاصل الاقتصاد الأوسع. فوفقاً لما ذكرته صحيفة Le Monde مؤخراً، قفز التضخم في منطقة اليورو من 1.9% في فبراير ليصل إلى 3% في أبريل، بينما ارتفع المعدل في فرنسا من 1.1% إلى 2.5% خلال الفترة نفسها. أسعار البنزين والديزل والغاز أصبحت أغلى، وفي المقابل بدأت الشركات التي تواجه تكاليف نقل ومدخلات إنتاج مرتفعة في تمرير جزء من هذه الزيادات إلى المستهلكين. الصحيفة الفرنسية ضربت مثالاً بشركة تعتمد على الغاز في التصنيع وتستورد بضائعها من آسيا وتدير أسطول شاحنات، حيث أكدت الشركة أنها تواجه ارتفاعات حادة في التكاليف في مختلف جوانب عملها.
تكمن أهمية هذه الموجة الجديدة من ارتفاع الأسعار في كون الاقتصاد الأوروبي لا يزال هشاً نسبياً بعد موجة التضخم السابقة. وكان صندوق النقد الدولي (IMF) قد وجد سابقاً أن أسعار الواردات كانت المحرك الأساسي للتضخم في منطقة اليورو بعد الجائحة، في وقت ارتفعت فيه الأرباح المحلية بشكل ملحوظ مع تعديل الشركات لأسعارها. هذا السياق يفسر سبب مراقبة الاقتصاديين للصدمة الحالية بدقة؛ فبمجرد ارتفاع تكاليف الطاقة، تبدأ آثارها في الانتقال إلى قطاعات التصنيع والنقل والغذاء والسلع المنزلية، ولا تتوقف عند حدود فواتير الوقود فقط.
المشهد في كبرى اقتصادات منطقة اليورو يبدو متفاوتاً، لكنه بوضوح غير مريح. وتشير Bloomberg إلى أن التضخم في هذه الدول تسارع على الأرجح في مايو أو بقي عند مستويات مرتفعة، وهو نمط يضع البنك المركزي الأوروبي تحت ضغط مستمر للتدخل. قضى المركزي الأوروبي معظم العامين الماضيين في محاولة لخفض التضخم نحو مستهدفه البالغ 2%، وقد حذر المسؤولون مراراً من أن صدمات الطاقة المتكررة تجعل من الصعب السيطرة على توقعات التضخم، خاصة إذا بدأ الناس والشركات في الاعتقاد بأن الأسعار العالية ستستمر طويلاً.
لهذا السبب أيضاً تترقب الأسواق المالية الوضع بحذر؛ حيث يوضح تقرير Bloomberg أن أسواق السندات بدأت تسعر مخاطر التضخم المرتفع بشكل متزايد، وهي إشارة إلى أن المستثمرين يعتقدون أن ضغوط الأسعار قد تستمر لفترة أطول مما كان يأمله صناع السياسة النقدية. أي رفع جديد في الفائدة سيكون هدفه منع دخول الاقتصاد في دورة تضخم جديدة، لكنه في الوقت ذاته سيزيد الأعباء على المقترضين والشركات والحكومات التي تعاني أصلاً من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف التمويل.
ما سيحدث تالياً يعتمد جزئياً على استقرار أسعار الطاقة أو استمرار صعودها، وعلى مدى قدرة الشركات على امتصاص الصدمة بدلاً من تحميلها للمستهلك. لكن حتى الآن، تشير كل المعطيات إلى اتجاه واحد: منطقة اليورو تواجه اختبار تضخم واسعاً آخر، بدأ يلمسه الناس بالفعل في محطات الوقود، وقد يمتد قريباً ليشمل مجموعة أوسع من السلع والخدمات اليومية.