الحرب المستمرة في إيران، التي دخلت أسبوعها الثامن، تسببت في اضطرابات اقتصادية واسعة بدأت بأسعار النفط ووصلت ارتداداتها إلى كل ركن في سلاسل الإمداد العالمية وتكاليف المعيشة. شركة Karex الماليزية، وهي أكبر مصنع للواقيات الذكرية في العالم وتنتج أكثر من خمسة مليارات وحدة سنوياً لعلامات تجارية مثل Durex وTrojan، أعلنت عن خطط لرفع أسعارها بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف المواد الخام المرتبطة بالصراع، وفقاً لما ذكرته BBC. هذا التأثير غير المعتاد يوضح كيف أن تداعيات الحرب امتدت إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة، لتطال سلعاً يومية متنوعة من تذاكر الطيران إلى منتجات الصحة الشخصية.
في قلب هذه الأزمة يبرز Strait of Hormuz، وهو نقطة الاختناق الأكثر أهمية لشحنات النفط العالمية. التحركات الإيرانية هناك، بما في ذلك محاولات فرض رسوم عبور وصفها أندرو بيشوب من Signum Global بأنها مجرد "استعراض قوة"، أدت إلى إغلاق مجالات جوية وحصار بحري وتعطيل لحركة الناقلات. وذكرت Bloomberg أن السفن الإيرانية لجأت إلى أسلوب "التخفي" (going dark) عبر إغلاق أجهزة التتبع للتهرب من الحصار الأمريكي، ونجحت في إيصال نحو تسعة ملايين برميل من النفط إلى الأسواق هذا الأسبوع، لكن حركة المرور عبر المضيق توقفت فعلياً، مما أدى إلى خنق الإمدادات. كبار مشتري النفط في آسيا، مثل الصين والهند، بدأت خياراتهم البديلة تنفد بعد أكثر من سبعة أسابيع من الاعتماد على حلول مؤقتة، مما فاقم من حدة النقص.
القفزات في أسعار النفط تُرجمت فوراً إلى ضغوط معيشية على المستهلكين. في الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار البنزين بأكثر من 50 سنتاً للجالون ليصل إلى 3.63 دولار منذ بداية الحرب، بينما قفز الديزل بأكثر من 1.20 دولار، بحسب بيانات AAA التي نقلتها ABC News 4. وفي بريطانيا، سجل سائقو الشاحنات والعاملون في قطاع الرعاية ومستخدمو زيت التدفئة زيادات في فواتير الوقود وصلت في بعض الحالات إلى 100 ألف جنيه إسترليني، وفقاً لتقارير BBC، في حين ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بنسبة تقارب 25% نتيجة تغيير مسارات الرحلات بعيداً عن الأجواء المحظورة. عالمياً، تشير أبحاث من 350.org إلى أن المستهلكين والشركات تحملوا ما بين 104 و112 مليار دولار كزيادة في تكاليف الطاقة منذ بدء الصراع، وهي أموال تدفقت إلى خزائن عمالقة الوقود الأحفوري، وسط آثار ثانوية تمثلت في ارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة.
الاقتصادات بدأت تترنح تحت وطأة هذه الضغوط، والتوقعات المستقبلية تزداد قتامة بسرعة. أيرلندا خفضت توقعاتها للنمو الاقتصادي لهذا العام، وأرجعت ذلك مباشرة إلى الصراع في الشرق الأوسط، بحسب Bloomberg. وفي اليابان، يتوقع الاقتصاديون الآن أن يؤجل Bank of Japan قرار رفع أسعار الفائدة (rate hike) من الأسبوع المقبل إلى شهر يونيو، مدفوعاً بالضغوط التضخمية الناتجة عن الحرب في ظل تدخل الرئيس دونالد ترامب. ومع ذلك، أظهرت الأسواق نوعاً من المرونة المتباينة؛ إذ صرحت فيفيان لين ثورستون من William Blair لـ Bloomberg أن الأرباح الناتجة عن طفرة AI ساعدت الأسهم العالمية على امتصاص جزء من الصدمة.
هذه التطورات تهم المليارات من البشر، لأن ارتفاع تكاليف الطاقة هو الوقود الأساسي الذي يغذي التضخم (inflation)، ويضغط على ميزانيات الأسر، ويهدد النمو في المناطق التي تعتمد على الاستيراد مثل أوروبا وآسيا. الشركات الصغيرة والعائلات ذات الدخل المنخفض هي الأكثر تضرراً، من أصحاب الشاحنات الذين يواجهون فواتير قد تؤدي لإفلاسهم إلى المستهلكين الذين يدفعون مبالغ أكبر مقابل الاحتياجات الأساسية. الارتدادات السياسية بدأت تظهر أيضاً، حيث تشكل زيادة أسعار البنزين في أمريكا مخاطر انتخابية على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.
وبالنظر إلى المستقبل، لا يزال المسار غير واضح. ورغم تسلل بعض الناقلات وتكيف الأسواق جزئياً، إلا أن تضاؤل البدائل لـ Strait of Hormuz ينذر بنقص أعمق في الإمدادات. ويراقب المحللون أي بوادر لمفاوضات بين أمريكا وإيران أو اتفاقيات لوقف إطلاق النار؛ فإعلان ترامب الأخير عن وقف محتمل دفع الأسواق للمراهنة على انخفاض النفط بقيمة تقارب مليار دولار، بحسب OilPrice.com، وسط شكوك حول رهانات "مثالية التوقيت" على منصات التوقعات أثارت مخاوف من تداول بناءً على معلومات داخلية (insider trading)، كما أشارت The Guardian. استقرار المضيق وتدفقات النفط سيظل هو المفتاح لتخفيف الضغوط عن أسعار كل شيء، من الواقيات الذكرية إلى وقود الطائرات.