نما الاقتصاد الياباني في الربع الأول من عام 2026 بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، مدفوعاً بصمود الصادرات والإنفاق الاستهلاكي، لكن المشهد العام يزداد تعقيداً مع بروز مخاطر التضخم، وارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، والاضطرابات في الشرق الأوسط التي تهدد بتبطئة هذا التعافي. في الوقت نفسه، قفزت عوائد السندات الحكومية اليابانية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، وهو ما يعكس قلقاً متزايداً لدى المستثمرين تجاه الوضع المالي للبلاد والضغوط الناتجة عن تغير بيئة أسعار الفائدة.
وبحسب تقرير لصحيفة "الشرق الأوسط"، أظهرت أرقام النمو الأخيرة توسعاً اقتصادياً أقوى من تقديرات المحللين. هذا التحسن جاء نتيجة الطلب الخارجي المستقر على السلع اليابانية، إلى جانب قطاع استهلاكي أثبت تماسكاً فاق التوقعات. وتكمن أهمية هذه النقطة في أن إنفاق الأسر ظل لفترة طويلة يمثل إحدى نقاط الضعف في الاقتصاد الياباني، وبالتالي فإن قوة الاستهلاك الحالية تشير إلى أن الأجور والأسعار قد بدأت أخيراً في دعم الطلب بشكل أكثر استقراراً.
على مستوى السياسات، طرأ تحول واضح في التوجهات العامة؛ إذ بدأ الـ Bank of Japan بالابتعاد عن سياسة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض التي انتهجها لسنوات طويلة، وتتوقع تقديرات حديثة استمرار البنك في تطبيع سياسته تدريجياً طالما بقي التضخم قريباً من المستهدف أو أعلى منه. وفي هذا السياق، ذكر معهد "دايوا" للبحوث في تقرير صدر في يناير أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان قد يسجل نمواً سنوياً بنسبة 0.8% في الفترة من عام 2026 حتى 2035، مع توقعات بوصول معدل التضخم إلى 2.1%. كما يتوقع المعهد أن يرفع الـ Bank of Japan أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى 1.75% بحلول عام 2027، ما يؤكد حجم التغيير الجذري في البيئة الاقتصادية مقارنة بسنوات الركود التضخمي التي طبعت العقود الثلاثة الماضية.
لكن هذه التحولات بدأت تظهر آثارها بالفعل في سوق السندات. فوفقاً لما ذكرته "الشرق الأوسط"، تراجعت أسعار السندات الحكومية اليابانية يوم الاثنين، مما دفع العوائد إلى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ عقود. وخطورة ارتفاع العوائد تكمن في زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومة، وهو أثر سيمتد لاحقاً ليشمل الأسر والشركات مع ارتفاع تكاليف التمويل. كما تعكس هذه الأرقام حالة من القلق تجاه قدرة اليابان على إيجاد توازن صعب بين دعم النمو، والسيطرة على التضخم، وإدارة حجم الديون العامة الضخم.
تضاف إلى ذلك مخاطر خارجية يواجهها مسار النمو، حيث حذر تقرير "الشرق الأوسط" من أن التوترات في الشرق الأوسط قد تعيق وتيرة الانتعاش. وبما أن اليابان تعتمد بشكل أساسي على واردات الطاقة، ومعظمها يأتي من تلك المنطقة، فإن أي تصعيد يعطل خطوط الشحن أو يرفع أسعار النفط سيؤدي حتماً إلى زيادة التضخم والضغط على ميزانيات الشركات والمستهلكين. وفي تقرير صدر في مارس، لفتت مؤسسة Vanguard أيضاً إلى أن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الصراعات في الشرق الأوسط يمثل مخاطرة حقيقية قد ترفع مستويات التضخم في اليابان بشكل ملحوظ.
في الوقت الحالي، يبدو المشهد العام لليابان كدولة ما زالت تحقق نمواً، ولكنها تواجه قيوداً لم تعهدها منذ سنوات. فرغم أن قوة الأجور وتماسك الاستهلاك وحيوية الصادرات تدعم التعافي، وفقاً للتوقعات وبيانات السوق، إلا أن ارتفاع عوائد السندات وحذر البنك المركزي والمخاطر الجيوسياسية في الخارج، تظهر أن مسار تطبيع الاقتصاد الياباني قد يظل عرضة لصدمات قوية تأتي من خلف الحدود.