تخالف بيانات LinkedIn الأخيرة التصور الشائع بأن الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأساسي وراء التراجع الحاد في معدلات التوظيف العالمية. فبينما تُرجع الكثير من الشركات بطء التوظيف إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي وتضع اللوم على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يشير تحليل LinkedIn إلى عكس ذلك تماماً، ويدعو إلى فحص عوامل أبسط ترتبط بظروف السوق بدلاً من التسرع في لوم التكنولوجيا.
وتؤكد نتائج LinkedIn أن معدلات التوظيف قد انخفضت بالفعل، لكن بيانات المنصة ترسم صورة بعيدة كل البعد عن "فناء الوظائف" الوشيك الذي يروج له البعض. وهذا يفند الروايات المتداولة التي تربط كل تحول في سوق العمل بالذكاء الاصطناعي، كما أشارت "جولة". وبدلاً من الاستبدال الجماعي للموظفين، تشير الأدلة إلى وجود تأثيرات أوسع نطاقاً على توجهات التوظيف، مما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يستحق هذا اللوم أصلاً.
وتأتي دراسة شاملة من معهد MIT لتعزز وجهة النظر هذه، حيث أظهرت أن الذكاء الاصطناعي يعمل بشكل أساسي على إعادة تشكيل المهام الفردية داخل الوظائف بدلاً من إلغاء الأدوار الوظيفية بالكامل. اختبر الباحثون في MIT عشرات النماذج اللغوية الكبيرة، بما في ذلك إصدارات من Claude وGemini وChatGPT، على أكثر من 11,000 مهمة واقعية تعتمد غالباً على النصوص، مستمدة من توصيفات الوظائف بوزارة العمل الأمريكية. وقام خبراء بشريون بتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، ليتبين أنه بحلول أواخر عام 2025، حققت النماذج "الحد الأدنى الكافي" من الأداء، وهو المستوى الذي يمكن استخدامه دون تعديلات، في حوالي 65% من المهام. وفي مجالات مثل الإعلام والفنون والتصميم، نجح الذكاء الاصطناعي بنسبة 55% في صياغة المسودات أو العصف الذهني، لكنه تعثر في الإبداع عالي المستوى، بينما سجلت المهام الإدارية نجاحاً بنسبة 53% في التخطيط والتحليل مع مواجهة صعوبات في تقدير الأمور والتنسيق.
وتتوقع الدراسة، التي تناولتها تقارير من Axios وFortune وMIT Sloan، تحسناً مستمراً، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينجز ما بين 80% إلى 95% من المهام النصية بمعايير مرضية بحلول عام 2029، مع مكاسب سنوية تصل إلى 11 نقطة مئوية. ومع ذلك، يشبه هذا التقدم "المد الصاعد" الذي يغير الأمور تدريجياً، وليس "الموجة المدمرة" كما وصفتها Axios. فلا يزال الذكاء الاصطناعي يتطلب إشرافاً بشرياً لتنقيح المخرجات، حيث يتصرف في معظم الحالات كمتدرب كفء ولكن أداءه غير مستقر.
ويضيف التحليل التاريخي للفترة من 2010 إلى 2023 أبعاداً أخرى لهذا التأثير؛ فعندما يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة معظم المهام في وظيفة ما، تنخفض حصة هذا الدور داخل الشركة بنسبة 14% وفقاً لباحثي MIT Sloan. ولكن، عندما يستهدف الذكاء الاصطناعي عدداً قليلاً من المهام فقط، يمكن أن ينمو التوظيف في تلك الأدوار، مما يسمح للعاملين بالتركيز على نقاط القوة مثل التفكير النقدي أو الابتكار، وهي مجالات لا يزال الذكاء الاصطناعي متأخراً فيها. ومن اللافت أن المناصب ذات الأجور المرتفعة التي تتضمن معالجة المعلومات، وهي الأكثر عرضة للذكاء الاصطناعي، شهدت ارتفاعاً في حصتها من التوظيف بنسبة 3% على مدى خمس سنوات، بفضل زيادة الإنتاجية التي ساعدت الشركات على التوسع.
هذا التغيير يمثل نقطة تحول للعاملين وأصحاب العمل وصناع القرار الذين يحاولون فهم سوق العمل المتطور. تظهر خدمات الطعام والوظائف الروتينية تأثيرات متفاوتة، حيث يتراجع بعضها ليس بسبب قدرات الذكاء الاصطناعي، بل لأن أصحاب العمل الذين لا يتبنون التقنية يفقدون قدرتهم على المنافسة. وخلافاً لموجات الأتمتة السابقة التي ضربت الأدوار متوسطة المهارة بقوة، يؤثر الذكاء الاصطناعي بشكل غير متناسب على العمل التحليلي عالي المهارة، كما لاحظت صحيفة "الشرق الأوسط" عند تلخيص تباينات القطاعات وفجوات الموثوقية في الدراسة.
وبالنظر إلى المستقبل، يتحول التركيز من المخاوف بشأن فقدان الوظائف المفاجئ إلى الاستعداد للتطور التدريجي للمهام. فالشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي تنمو بشكل أسرع وتحافظ على أعداد موظفيها في الأدوار المعرضة للتغيير، بينما قد يحتاج العاملون إلى التكيف عبر تعزيز المهارات البشرية الفريدة. إن بيانات التوظيف من LinkedIn ورؤى MIT حول طبيعة المهام تشير مجتمعة إلى أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل طبيعة العمل، إلا أنه ليس المحرك الرئيسي وراء التراجع الحالي، مما يعطي نوعاً من الطمأنينة وسط الضغوط الاقتصادية المستمرة.