بدأت شركة ناشئة جديدة في "سيليكون فالي" تحوّل التحذيرات النظرية التي طالما رددها مديرو شركات الذكاء الاصطناعي إلى واقع ملموس، من خلال تدريب الأنظمة بشكل منهجي لاستبدال المهنيين المهرة في قطاعات مختلفة. شركة Mercor، التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها وتأسست في عام 2023 وتقدر قيمتها بنحو 10 مليارات دولار، تقوم حالياً بتوظيف أطباء ومحامين ومصرفيين وغيرهم من أصحاب التأهيل العالي لتعليم أنظمة الذكاء الاصطناعي كيف تؤدي أعمالهم المتخصصة. هذا التوجه يثير تساؤلات ملحة حول الفجوة الكبيرة بين الخطاب المعلن وما يحدث فعلاً في كواليس قطاع التقنية.
يعتمد نموذج عمل الشركة على عملية تُعرف باسم Reinforcement Learning with Human Feedback. توظف Mercor خبراء في مجالاتهم لمراجعة الردود التي تنتجها النماذج اللغوية الكبيرة مثل ChatGPT وClaude وGemini، ومن ثم تصحيح الأخطاء وترتيب النتائج وتقديم ملاحظات دقيقة ومنظمة. الطبيب هنا يقيم التوصيات الطبية، والمحامي يفحص الوثائق القانونية، والمصرفي يحلل البيانات المالية. كل هذه الملاحظات البشرية تعود إلى نظام الذكاء الاصطناعي، مما يسمح له بتطوير قدرته على الاستنتاج وتحسين دقة أدائه في المجالات التخصصية. ببساطة، تدفع الشركة مبالغ للخبراء لتوثيق خبراتهم حتى تتمكن الآلات في النهاية من محاكاتها بالكامل دون الحاجة لتدخل بشري.
توقيت هذا النشاط لافت للنظر، خاصة وأن رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي صاروا يتحدثون بوضوح أكبر عن مخاوف فقدان الوظائف. سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، وغيره من قادة مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، اعترفوا علناً بأن خسارة الوظائف على نطاق واسع بسبب التقنية أمر مرجح. لكن، وبحسب مراقبين، هناك انفصال واضح بين هذه التحذيرات وبين الاستراتيجيات التجارية التي تنتهجها الشركات في هذا المجال. فبينما يحذر المديرون من احتمالات استبدال العمالة، تعمل شركات ناشئة مثل Mercor بنشاط لتسريع هذا الواقع، عبر بناء البنية التحتية لأتمتة المهن التي تتطلب عادةً سنوات من الدراسة والخبرة.
اللافت أن الشركة تأسست على يد ثلاثة شباب تركوا دراستهم الجامعية، وهم بريندان فودي، وأدارش هيرماث، وسوريا ميدا، ولم يسبق لأي منهم ممارسة مهنة احترافية تقليدية. هذه الخلفية قد تكون ذات دلالة، إذ يبدو أنهم غير مهتمين بالتبعات الاجتماعية لعملهم على سوق التوظيف. القيمة السوقية الضخمة التي حققتها الشركة في وقت قصير تعكس ثقة المستثمرين في إمكانات أتمتة العمل المهني، وتشير إلى أن رؤوس الأموال لا تزال تتدفق نحو الشركات المصممة خصيصاً لاستبدال البشر في المجالات المربحة، رغم كل القلق العام حول خسارة الوظائف.
التبعات لا تتوقف عند فقدان أفراد لوظائفهم؛ إذ يرى مراقبون للقطاع أن الذكاء الاصطناعي قد يزيح ما بين مليار ومليارين وظيفة عالمياً خلال العقد القادم، ما يمثل اضطراباً اقتصادياً غير مسبوق. البنية التحتية الحالية لسوق العمل تفتقر إلى القدرة على إعادة تدريب وتأهيل هذه الأعداد الضخمة، مما يخلق فجوة عميقة بين سرعة التغير التقني وقدرة المجتمع على التكيف معه.
ما لا يزال غير واضح هو ما إذا كان اعتراف مديري شركات الذكاء الاصطناعي بمخاطر فقدان الوظائف نابعاً من قلق حقيقي أم هو مجرد تموضع استراتيجي. فمن خلال الحديث المفتوح عن هذه المخاطر بينما يبنون في الوقت نفسه الأنظمة التي تسببها، قد يحاول قادة القطاع تشكيل السياسات العامة وإدارة الرأي العام. بالنسبة للمهنيين، رسالة صعود Mercor واضحة تماماً: التحذيرات النظرية حول استبدال الذكاء الاصطناعي للعمل الماهر بدأت تتحول بالفعل إلى واقع ملموس.