شركة Mercor، وهي شركة ناشئة في سان فرانسيسكو وصلت قيمتها السوقية إلى 10 مليار دولار، وظفت مئات الكفاءات العالية لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة Meta. المفارقة هنا أن هؤلاء الخبراء يعلمون الذكاء الاصطناعي كيف يؤدي وظائفهم ذاتها، وهو ما يوضح كيف بدأت التقنية في التوغل فعلياً في مهام "white-collar" أو ذوي الياقات البيضاء. الشركة التي أسسها شباب تركوا مقاعد الدراسة الجامعية، تعمل على توسيع هذا النشاط بشكل كبير، بحسب ما ناقشه "بودكاست" لوكالة Bloomberg، حيث يسعى القائمون على Mercor لأتمتة قطاعات واسعة من العمل الاحترافي.
هذا التوجه يعكس حالة من الترقب والقلق في قطاع التقنية؛ فالشركات توظف مواهب للقيام بمهام قد تجعل وجود هؤلاء الموظفين أنفسهم غير ضروري قريباً. ووفقاً لـ Bloomberg، تستهدف Mercor مهنيين مهرة لتصنيف البيانات وتطوير نماذج Meta، ما يفتح باب التساؤل حول استمرارية هذه الوظائف بعد انتهاء مرحلة التدريب. النمو السريع لهذه الشركة جعلها لاعباً أساسياً في سباق رفع الكفاءة عبر الأتمتة في المكاتب حول العالم.
وقد بدأ قادة هذا القطاع يتحدثون بصراحة متزايدة عن التغييرات القادمة في سوق العمل. Sam Altman، المدير التنفيذي لشركة OpenAI، أقرّ بوجود إزاحة حقيقية للوظائف، لكنه أشار أيضاً لظاهرة "AI washing" أو الغسيل بالذكاء الاصطناعي، حيث تتذرع شركات بالتقنية لتبرير تسريحات كانت مخططة مسبقاً لأسباب أخرى. وفي قمة "AI Impact" بالهند، ذكر Altman أنه رغم ظهور أدوار جديدة مستقبلاً -كما حدث في ثورات تقنية سابقة- إلا أن التأثير الملموس لاستحواذ الذكاء الاصطناعي على الوظائف سيصبح واضحاً جداً في السنوات القادمة.
تحذيرات مماثلة جاءت من مسؤولين آخرين؛ إذ توقع Dario Amodei، المدير التنفيذي لشركة Anthropic، أن يقضي الذكاء الاصطناعي على حوالي 50% من وظائف المبتدئين في قطاع الـ white-collar خلال خمس سنوات. وبدوره، أشار Demis Hassabis من Google DeepMind إلى بوادر تباطؤ في توظيف حديثي التخرج. شركات مثل Klarna أعلنت بالفعل عن خطط لتقليص قوتها العاملة بنسبة الثلث بحلول عام 2030، وهو ما يتماشى مع توقعات تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي أشار إلى أن 40% من أصحاب العمل يتوقعون اتخاذ خطوات مشابهة.
ومع ذلك، تشير البيانات إلى صورة أكثر توازناً حتى الآن. تحليل لـ Yale Budget Lab لإحصاءات العمل الأمريكية حتى أواخر عام 2025، لم يجد تحولات جذرية في توزيع الوظائف أو معدلات البطالة المرتبطة بالأدوار الأكثر عرضة للذكاء الاصطناعي منذ إطلاق ChatGPT، ما يعني أن "النزوح الجماعي" من الوظائف لم يتحقق فعلياً بعد. لكن في المقابل، ربطت شركات كبرى مثل Amazon وIBM وSalesforce وHP تسريحاتها الأخيرة بتبني الذكاء الاصطناعي، مما يغذي الجدل حول ما إذا كان هذا تغييراً حقيقياً في بنية العمل أم مجرد عذر إداري مريح.
بالنسبة للموظفين في Mercor الذين يدربون أنظمة Meta، تبدو المسألة شخصية ومصيرية؛ حيث يصف البعض في الأوساط التقنية هذا الوضع بأنه مفارقة "تفتقر للكرامة"، فالموظف يبني الأداة التي قد تستبدله قريباً. هذه الحالة تهم العاملين في قطاع المعرفة عالمياً، من مهندسي البرمجيات إلى المحللين، مع تسارع المختبرات لتصدر سوق يُتوقع أن يعيد تشكيل اقتصاديات كاملة. ما سيحدث لاحقاً يعتمد على الجداول الزمنية للتدريب؛ فبمجرد وصول النماذج لمستوى متطور كافٍ، قد تختفي هذه الأدوار، مما يفرض سباقاً لإعادة التأهيل في ظل فرص عمل جديدة غير واضحة المعالم.
تكمن أهمية هذه الظاهرة في كونها تسرّع التحول نحو جعل الذكاء الاصطناعي مكملاً للجهد البشري وليس بديلاً عنه بالضرورة في بعض الرؤى، لكن Altman يشدد على أن "التكيف" سيكون هو المفتاح. ومع تزايد التحذيرات من رؤساء شركات التقنية، يواجه صناع القرار والمؤسسات التعليمية ضغوطاً متزايدة لتجهيز القوى العاملة لهذا الاضطراب، لضمان عدم ترك الموظفين المتضررين من موجة الأتمتة خلف الركب.