تمضي ناسا قدماً في تنفيذ خطة تدريجية (phased plan) لبناء قاعدة مستدامة على سطح القمر، تبدأ بإرسال شحنات روبوتية وتجارب تقنية، لتنتقل بعدها إلى مرحلة توفير البنية التحتية اللازمة لتمكين رواد الفضاء من العيش والعمل هناك لفترات أطول. وبحسب تصريحات الوكالة وما ذكره الإداري Jared Isaacman مؤخراً، فإن الهدف هو تجهيز هذه المرافق قبل وصول الرواد المتوقع في عام 2028، ضمن مشروع ضخم يتطور على مدى سنوات.
تركز المرحلة الأولى على ما تصفه ناسا بـ "البناء والاختبار والتعلم". وستعتمد الوكالة بشكل كبير على الشركاء التجاريين والبرامج الحالية مثل Commercial Lunar Payload Services وبرنامج Lunar Terrain Vehicle لإرسال مركبات هبوط، وجوالات (rovers)، ودرونز، وأجهزة قياس وأنظمة اتصالات إلى سطح القمر. والهدف من هذا التوجه، كما أوضح Isaacman، هو جعل الوصول إلى القمر "عالي الموثوقية" قبل الانتقال إلى عمليات بناء أكثر طموحاً.
تخطط ناسا لإقامة القاعدة في القطب الجنوبي للقمر، وهي منطقة تكتسب أهمية خاصة بسبب قيمتها العلمية واحتمالية الوصول إلى الجليد المائي فيها. استراتيجية الوكالة هنا مصممة لتحويل الرحلات المتكررة، سواء للشحن أو الطواقم البشرية، إلى وجود دائم طويل الأمد، بدلاً من مجرد زيارات قصيرة عابرة. هذا التوجه يخدم أيضاً هدفاً أبعد، وهو استخدام القمر كساحة تجارب لمهام بشرية مستقبلية إلى كوكب المريخ.
في المرحلة التالية، سيبدأ المشروع في اتخاذ شكل القاعدة الحقيقية؛ حيث تخطط ناسا لإضافة أنظمة الطاقة، واتصالات السطح، ووسائل التنقل، وغيرها من المنظومات التي تسمح للبشر بالبقاء على القمر لأسابيع أو حتى أشهر. هذه الخطوة، بحسب رؤية ناسا، هي التي ستحول الاستكشاف الأولي إلى بنية تحتية حقيقية على السطح، مع عمليات لوجستية منتظمة ومهام روتينية لرواد الفضاء.
وبحسب تقرير لمجلة Astronomy، تتضمن خطة ناسا رحلات مأهولة نصف سنوية تبدأ في عام 2028، تليها زيادة كبيرة في عمليات الإطلاق والشحن. وأفادت المجلة أن المرحلة الثانية ستشمل عشرات عمليات الإطلاق والهبوط لتوصيل ما يقرب من 60 ألف كيلوجرام من المعدات، بما في ذلك الأنظمة الضرورية للعمليات البشرية. كما أشارت ناسا إلى أن المراحل اللاحقة ستشهد إضافة وحدات سكنية (habitat modules)، وغرف معادلة الضغط (airlocks)، وأنظمة دعم الحياة.
تكمن أهمية هذا المشروع في كونه يمثل تحولاً جذرياً في طريقة عمل ناسا على القمر؛ فبدلاً من التركيز على مجرد تحقيق "هبوط تاريخي" لمرة واحدة، تتحدث الوكالة اليوم عن وجود مستدام مدعوم بقطاع الصناعة والشركاء الدوليين. وهذا ما يجعل قاعدة القمر ليست مجرد مشروع علمي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة ناسا ومقاوليها على دعم الطواقم ونقل الشحنات وبناء بنية تحتية موثوقة بعيداً عن كوكب الأرض.
وتعتمد الخطوات القادمة على مدى سرعة نجاح المهام الأولية، حيث أوضحت ناسا بالفعل أن عمليات الإطلاق الأولى ستُستخدم لرسم مخططات البناء المستقبلي، واختبار الأنظمة، وتحديد أفضل المواقع للعمليات طويلة الأمد. وإذا سارت هذه المهام كما هو مخطط لها، تتوقع الوكالة أن تقربها المراحل اللاحقة أكثر من تحقيق هدف الإقامة البشرية الدائمة على سطح القمر.