واصلت أسعار النفط الخام صعودها لليوم الخامس على التوالي، مع زيادة التشاؤم بشأن تعثر المساعي الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التوتر جعل مضيق هرمز مغلقاً من الناحية العملية في ظل حالة عدم اليقين، مما أبقى أسواق الطاقة في حالة تذبذب مستمر. ومع اقتراب الهدنة التي استمرت أسبوعين من نهايتها دون تحقيق خرق حقيقي، بدأ المتداولون يتحضرون لسيناريوهات صعبة، سواء عبر تصعيد عسكري أو بقاء الوضع المعلق لفترة طويلة، وكلا الأمرين يدفعان بأسعار الخام للبقاء في مستويات مرتفعة تؤثر على الأسواق العالمية.
يعود هذا الانسداد الدبلوماسي في جوهره إلى استراتيجية الرسائل العلنية التي يتبعها الرئيس دونالد ترامب، والتي يرى مراقبون أنها قوضت جهود التفاوض حتى مع تحضير المسؤولين لجولة محادثات جديدة في إسلام آباد. وبحسب مصادر متعددة، فإن تغريدات ترامب التي هدد فيها بـ "تدمير بقية البلاد" وإعادتها إلى "العصور الحجرية"، تسببت في إحراج القيادة الإيرانية وجعلتها أقل رغبة في التوصل إلى اتفاق. أضف إلى ذلك، ادعاءات ترامب العلنية المتسرعة بأن إيران وافقت بالفعل على شروط أساسية، بما في ذلك قيود على برنامجها النووي، وهو ما قابله نفي إيراني سريع زاد من فجوة الثقة في لحظة دبلوماسية حرجة. المسؤولون الأمريكيون المطلعون على سير المحادثات عبروا عن إحباطهم من تدخلات الرئيس المستمرة، واصفين إياها بأنها محاولة للتفاوض "عبر وسائل التواصل الاجتماعي" على قضايا حساسة لم تُحسم بعد. كما ألمح ترامب إلى عدم رغبته في تمديد وقف إطلاق النار الحالي دون اتفاق، صرح علناً أنه "قد لا يمدد" المهلة إذا لم يتم التوصل لنتائج.
هذه الصدمة في قطاع الطاقة والجمود الدبلوماسي بدأت تتحول إلى ضغوط تضخمية واسعة تضرب الاقتصاد العالمي. المصدرون الصينيون بدأوا بالفعل في رفع أسعار السلع الاستهلاكية، من ملابس السباحة إلى أجهزة التكييف، نتيجة ارتفاع تكاليف المدخلات المرتبطة بالنفط، وهذا مؤشر على أن تضخم السلع الاستهلاكية العالمي مرشح للتسارع. وفي اليابان، سجل مقياس التضخم الرئيسي تسارعاً للمرة الأولى منذ خمسة أشهر، مع توقعات بأن تؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى تضخيم ضغوط الأسعار أكثر. أما البنك المركزي في سنغافورة، فيواجه الآن مفاضلة حادة بين النمو والتضخم، مما جعل الاقتصاديين منقسمين حول ما إذا كانت المؤسسة ستشدد السياسة النقدية في يوليو لمواجهة ارتفاع أسعار الواردات، أم ستحافظ على موقفها الحالي لحماية النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، قفز الدولار إلى أعلى مستوى له في 10 أيام مع تراجع التفاؤل بحل سريع للتوترات في الشرق الأوسط.
وبعيداً عن أسواق الطاقة، يلقي الغموض الإيراني بظلاله على الأسهم وفئات الأصول الأخرى. حيث تراجعت Stock futures مع تعثر المحادثات، بينما حافظ النفط على مكاسبه في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز. كما اتجهت المعادن الأساسية، بما في ذلك النحاس، نحو تسجيل خسائر أسبوعية بسبب ضغوط عدم اليقين الاقتصادي العام على السلع الصناعية. ورغم ارتفاع أسعار النفط، اشتكى المسؤولون التنفيذيون في قطاع U.S. shale من أن تقلبات السوق الناتجة عن الصراع تزيد من تعقيد عملياتهم بدلاً من تقديم فوائد مباشرة وواضحة.
تحاول البنوك المركزية حول العالم التعامل مع هذه التداعيات. فالبنك المركزي الروسي يتجه لمواصلة خفض أسعار الفائدة في ظل ضعف الاقتصاد، رغم أن الغموض المحيط بالميزانية ومخاطر الصراع في الشرق الأوسط يحد من قدرة صناع السياسة على التحرك بجرأة. هذا التحول الجيوسياسي الأوسع خلق "رابحين" غير متوقعين؛ حيث بدأت آسيا الوسطى تبرز كوجهة جاذبة مع تنافس رؤوس الأموال الدولية والقوى الكبرى للوصول إلى مواردها من المعادن والطاقة، في ظل الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة التقليدية.
إن هذا المزيج من تعثر المسار الدبلوماسي، ورسائل ترامب التي لا يمكن التنبؤ بها، واقتراب موعد نهاية الهدنة، جعل الأسواق في حالة قلق شديد. ومع سقوط آلاف القتلى في الصراع المستمر منذ سبعة أسابيع وتعطل طرق التجارة في الشرق الأوسط، فإن التبعات الاقتصادية لم تعد محصورة في أسعار النفط وحدها، بل أصبحت تهدد بترسيخ تضخم مرتفع في الاقتصادات العالمية مع كبح آفاق النمو في ظل مخاطر جيوسياسية مستمرة.