قفزت أسعار النفط لتتجاوز عتبة 120 دولار للبرميل، مسجلة مستويات لم تشهدها الأسواق إلا في أوقات الحروب، وذلك مع تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وتأتي هذه القفزة وسط تقارير تشير إلى أن الرئيس دونالد ترامب بصدد الاطلاع على خيارات عسكرية جديدة ضد طهران؛ حيث ذكرت "Axios" نقلاً عن "BBC" أن القيادة المركزية الأمريكية أعدت خططاً لضربات وصفتها بأنها "قصيرة وقوية". وفي الوقت نفسه، وجه ترامب دعوة علنية لطهران بضرورة "التعامل بذكاء" والوصول إلى اتفاق سريع، وفقاً لما نقلته صحيفة "The Independent". هذا التصعيد يتزامن مع تقارير عن فرض إيران حصاراً ممتداً، مما زاد من المخاوف حول تعطل الإمدادات في Strait of Hormuz، الذي يعد الشريان الأهم لشحنات النفط العالمية.
تسبب هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار الخام، والذي شهد قفزة لخام Brent بنسبة وصلت إلى 7% في جلسة واحدة، في حالة من التذبذب الواسع في الأسواق. وأشار تقرير لـ "Bloomberg" إلى أن الأسهم تحولت للخسارة بعد مكاسب أولية حققتها شركات التكنولوجيا، بينما أدى ما يعرف بـ "علاوة الحرب" (War premium) إلى موجة ارتفاع في سلع أخرى مثل الذرة، نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة والأسمدة. وفي الأسواق الآسيوية، بدا المشهد منقسماً؛ فبينما غطى انتعاش أسهم التكنولوجيا المدفوع بقطاع AI على بعض الأضرار، إلا أن عملات المنطقة سجلت مستويات منخفضة قياسية، حيث أعاد ارتفاع النفط إحياء المخاطر الاقتصادية. العملة الهندية (Rupee) على سبيل المثال، هبطت لأدنى مستوى لها على الإطلاق، مما فاقم المخاوف بشأن العجز الخارجي للبلاد.
وتواجه إيران ضغوطاً متزايدة نتيجة US naval blockade، الذي دفع عملتها المحلية لهبوط قياسي جديد، وهو ما يعكس حجم الضرر الذي يلحق باقتصادها. هذا الحصار، مع استمرار طبول الحرب، أضعف الآمال في التوصل إلى حل سريع، وأيقظ الأسواق على حقيقة مخاطر التضخم عالمياً. وفي "Bloomberg's Daybreak Europe podcast"، أوضح المحللون كيف أن موجات ارتفاع النفط المرتبطة بتهديدات الحرب بدأت تظهر آثارها بوضوح في أسواق الطاقة العالمية.
تداعيات هذا الصراع بدأت تضغط بشدة على الاقتصادات الكبرى، خاصة الدول المستوردة للنفط مثل الهند. وحذرت وزارة المالية الهندية في مراجعتها الشهرية من أن Supply shocks القادمة من الشرق الأوسط ترفع التكاليف وتهدد الطلب المحلي. كما أشار البنك المركزي الهندي إلى ارتفاع حاد في مؤشر البنك الدولي لأسعار السلع الأساسية بسبب تكاليف الطاقة والأسمدة. ورغم أن استطلاعات "Reuters" تشير إلى استقرار توقعات النمو في الهند حتى الآن، إلا أن الضغوط بدأت تظهر بوضوح في القطاع غير الرسمي. وحذرت غيتا غوبينات، النائبة السابقة لمدير صندوق النقد الدولي، من أن وصول النفط إلى حاجز 100 دولار ـ وهو ما تجاوزه السعر فعلياً ـ قد يؤدي لانكماش النمو العالمي من 3.4% إلى 2.5%، وهو ما يذكر بصدمات النفط الكبرى التي حدثت في السبعينيات.
على مستوى الأفراد، يواجه المستهلكون حول العالم زيادات في أسعار الوقود والغذاء، بينما يكافح المنتجون في قطاعات الزراعة والتصنيع مع ارتفاع تكاليف المدخلات، وهو ما قد يؤدي لتباطؤ النمو وتأجيج التضخم. وتعكس هشاشة العملات الآسيوية حجم هذا الضغط غير المتكافئ؛ فبينما يرى محللو "Morgan Stanley" أن أساسيات الاقتصاد الهندي لا تزال متماسكة وسط هذه الفوضى، إلا أنهم حذروا من ضبابية المشهد المستقبلي.
المرحلة القادمة تعتمد بشكل أساسي على القرار الذي سيتخذه ترامب بعد إحاطته بالخيارات العسكرية، وعلى الرد الإيراني تجاه الحصار. ومع تعثر الجهود الدبلوماسية، يزداد التشاؤم بشأن إنهاء الصراع في الشرق الأوسط قريباً، لتظل الأسواق في حالة ترقب لأي تصعيد إضافي قد يطيل أمد هذه الصدمات ويعيد رسم مسارات التجارة العالمية عبر Strait of Hormuz.