يتجه البنك المركزي الأسترالي (RBA) لرفع أسعار الفائدة للمرة الثالثة على التوالي هذا الأسبوع، في خطوة تكرّس موقفه المتشدد والمنفرد مقارنة ببقية البنوك المركزية العالمية التي فضلت التريث لمراقبة التوترات الجيوسياسية، ومنها الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. تقارير Bloomberg Economics تشير إلى أن هذا الرفع المتوقع يضع أستراليا في مسار مختلف عن نظرائها الذين اختاروا التثبيت في ظل حالة عدم اليقين الدولية.
هذا القرار يأتي في وقت يحاول فيه الاقتصاد الأسترالي السيطرة على تضخم لا يزال عنيداً؛ فرغم أن بيانات التضخم الأساسي تعطي إشارات مختلطة، إلا أنها لا تزال تؤكد الحاجة إلى سياسة نقدية أكثر صرامة. مادي دونك، الخبيرة الاقتصادية في بنك ANZ، أوضحت أن مؤشر أسعار المستهلك (CPI) السنوي ارتفع إلى 4.1% في ربع مارس كما كان متوقعاً، بينما جاء "Trimmed mean inflation" عند 0.8%، وهو أقل بقليل من التوقعات، مما أعطى نوعاً من الطمأنينة لكنه لم يكن كافياً لتغيير خطط البنك المركزي. هذا التوجه يتماشى مع توقعات الأسواق، حيث يرى محللو FXEmpire احتمالية بنسبة 85% لهذا الرفع، مما قد يصل بـ Cash rate إلى 4.1% ويدعم زخم الدولار الأسترالي في المدى القصير.
ومع ذلك، يحذر المحللون من أن انتعاش الدولار الأسترالي قد لا يدوم طويلاً، فتوقعات Bloomberg Economics تشير إلى أن البنك المركزي قد يلمح إلى إبطاء وتيرة الرفع مستقبلاً بعد هذه الزيادة، وهو ما قد يهدئ الحماس تجاه العملة ويؤدي لتراجع مكاسبها الأخيرة. هذا التصور يعكس تحولاً أوسع؛ فبيانات CPI التي جاءت أخف من المتوقع دفعت مؤسسات مثل Deutsche Bank إلى مراجعة توقعاتها، حيث ترى الآن تراجعاً في ضرورة التحرك المستقبلي واحتمالية بقاء الـ Cash rate عند 4.35% حتى نهاية العام.
الأسر والشركات في أستراليا ستشعر بضغوط مباشرة نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض، وهو ما يزيد من أعباء أسعار الغذاء والطاقة المرتفعة أصلاً في ظل بيئة عالمية هشة تشهد قفزات في أسعار النفط وتبايناً في سياسات البنوك المركزية. موقف البنك المركزي الأسترالي يتناقض بوضوح مع قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأخير بتثبيت الفائدة عند 3.5-3.75%، رغم وجود أصوات متشددة داخله، ومع بنوك أخرى مثل بنك تايلاند الذي فضل الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
اجتماع البنك المركزي هذا الأسبوع سيوضح المسار القادم، حيث تسعر الأسواق الآن فرصة بنسبة 20% فقط لرفع آخر في أغسطس، وهي نسبة أقل مما كانت عليه قبل صدور بيانات CPI. جيمس جروبر من CommSec أشار إلى انخفاض احتمالات الرفع في مايو إلى 55% بعد القرارات الأخيرة، مما يظهر كيف بدأت البيانات في تهدئة بعض المخاوف، رغم أن الرفع الحالي يبقي البنك في موقع استباقي. بالنسبة للمستثمرين، تعني هذه الحالة مراقبة مستويات AUD/USD حول 0.72215 لرصد أي اختراقات، خاصة وأن الوضع الفني لا يزال إيجابياً لكنه حساس جداً للإشارات السياسية.
أهمية هذا الرفع تتجاوز الأرقام؛ فهي تمس حياة الأستراليين الذين يواجهون ضغوطاً في القروض العقارية (Mortgage stress)، وتؤثر على الأسواق العالمية التي تراهن على فروق العوائد. هذه الخطوة تؤكد التزام البنك المركزي الأسترالي بكبح التضخم رغم المخاطر الخارجية، وقد تؤثر على عمليات Carry trades ودعم الأسهم في عالم يتجه لخفض الفائدة في أماكن أخرى. ما سيحدث لاحقاً يعتمد بشكل كبير على "Forward guidance" التي سيقدمها البنك، وما إذا كان سيهدئ من وتيرة الرفع كما هو متوقع أم سيفاجئ الجميع بصرامة أكبر.