خرجت شركة ناشئة جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي من "وضع التخفي" برؤية طموحة قد تغير قواعد اللعبة، وهي بناء أنظمة قادرة على تطوير نفسها دون تدخل بشري. أعلنت Recursive Superintelligence هذا الأسبوع عن جمع تمويل بقيمة 650 مليون دولار، مما رفع تقييمها إلى 4.65 مليار دولار، لتضع نفسها في صدارة تحول جذري محتمل في مسار تطور الذكاء الاصطناعي.
يقود الشركة نخبة من الباحثين المرموقين، منهم Richard Socher (كبير العلماء السابق في Salesforce) وTim Rocktäschel (العالم السابق في Google DeepMind)، وتضم كفاءات استقطبتها من مختبرات كبرى مثل OpenAI وMeta وUber. قادت جولة التمويل كل من Google Ventures وشركة Greycroft، بدعم من عمالقة صناعة الرقائق NVIDIA وAMD Ventures. وتشير التقارير إلى أن الإقبال على الاستثمار في هذه الجولة تجاوز التوقعات بكثير، مما يعكس ثقة كبيرة لدى المستثمرين في التوجه التقني الذي تتبناه الشركة.
تتركز مهمة Recursive الأساسية حول تطوير ما تسميه recursive self-improving superintelligence؛ وهي أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على إجراء تجاربها الخاصة لتحسين أدائها عبر اكتشافات علمية مؤتمتة. وعلى عكس الشبكات العصبية الحالية التي تعتمد على خوارزميات يصممها البشر وتعديلات يدوية، تسعى Recursive لابتكار ذكاء اصطناعي يكتشف بنفسه طرقاً لتطوير الكود الخاص به، وهيكليته، وأساليب تدريبه. تنطلق الشركة من قناعة بأن هذا الأسلوب يحاكي تطور الذكاء البشري الذي لم يتوقف عند حد معين، بل بني على تراكم الاكتشافات عبر سيرورة تطورية وثقافية مستمرة. الفكرة الجوهرية هنا هي أن القفزة القادمة في هذا المجال لن تأتي من مجرد زيادة حجم النماذج، بل من أتمتة عملية البحث العلمي نفسها.
تخطط الشركة للبدء بالتركيز على أنظمة تطور "الذكاء الاصطناعي نفسه" قبل التوسع لاحقاً إلى مجالات علمية أوسع. الأولوية الحالية هي بناء نموذج قادر على تحسين الكود البرمجي الخاص به، بحيث يبتكر النظام أفكاراً للتجارب، ويختبرها، ثم يتحقق من نتائجها في عملية وصفها المؤسسون بأنها اكتشاف علمي مفتوح ومستمر. وبفضل التمويل الجديد، ستعمل الشركة على تشغيل ما تسميه نظام التدريب الذاتي من "المستوى الأول" لتأمين البنية التحتية اللازمة للحوسبة وضمان توفر القدرات الحسابية الضخمة، مع استهداف الإطلاق الرسمي في منتصف عام 2026، رغم أن الشركة لا تملك حالياً أي منتجات متاحة للجمهور.
تظل اعتبارات الأمان ركيزة أساسية في توجه Recursive؛ حيث أكدت الشركة التزامها بتطوير ضمانات تقنية تمنع النماذج من إنتاج مخرجات خطيرة، مشددة على أن تعظيم الفوائد البشرية وتقليل المخاطر المصاحبة سيكون أولوية قصوى مع تطور هذه التكنولوجيا. وتدير الشركة عملياتها حالياً من مكاتب في سان فرانسيسكو ولندن بفريق يضم أكثر من 25 باحثاً ومهندساً.
يأتي ظهور Recursive في وقت يتزايد فيه النقاش حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يقترب من نقطة تحول حاسمة. ويربط بعض المراقبين بين وضعنا الحالي وما عرف في عام 1987 بـ "مفارقة سولو" (Solow Paradox) للاقتصادي Robert Solow، وهي الملاحظة التي تقول إنه رغم انتشار الكمبيوتر في كل مكان، إلا أن مكاسب الإنتاجية ظلت غائبة عن الإحصاءات الاقتصادية لسنوات. يشير هذا القياس إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي التحولي قد يكون غير مرئي في المؤشرات التقليدية حالياً، لكنه يمهد لظهور مفاجئ وضخم في النتائج. وسواء كانت رؤية Recursive للذكاء الاصطناعي ذاتي التطوير هي تلك الشرارة التي ستغير المعادلة أم لا، فإن حجم التمويل الضخم وخبرة القيادة تجعل المستثمرين يراهنون على أن هذه الإمكانات حقيقية وقادمة لا محالة.