عادت ضغوط التضخم لتلقي بظلالها على الاقتصادات الكبرى خلال الشهور الأخيرة، حيث قفز مؤشر PCE -المقياس المفضل لدى الفيدرالي الأمريكي- إلى 3.5% في مارس، مسجلاً أعلى مستوى له منذ قرابة ثلاث سنوات. هذا الارتفاع، الذي جاء مدفوعاً بزيادة حادة في أسعار الطاقة وخاصة البنزين، يمثل تسارعاً ملحوظاً مقارنة بنسبة 2.8% المسجلة في فبراير. وفي سياق متصل، ارتفع مؤشر CPI السنوي إلى 3.3% بعد أن كان 2.4%، نتيجة قفزة في تكاليف الطاقة بلغت 12.5%، مع زيادة أسعار البنزين بنحو 19% وزيت التدفئة بأكثر من 44%.
هذه الموجة التضخمية في الولايات المتحدة ناتجة بشكل مباشر عن تصاعد أسعار البنزين التي تجاوزت حاجز 4 دولارات للجالون، تزامناً مع التوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وفقاً لتقارير الأسواق واللجان الكونغرس. تضخم أسعار الطاقة وحده ارتفع بنسبة 10.9% بين فبراير ومارس، ما تسبب في زيادات إقليمية متفاوتة؛ حيث سجلت منطقة الشمال الشرقي النسبة الأعلى بـ 3.6%، تليها منطقة الغرب الأوسط بـ 3.4%. كما سجل مؤشر Core CPI، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، ارتفاعاً طفيفاً ليصل إلى 2.6%، ما يعكس تمدد ضغوط الأسعار إلى قطاعات أوسع بعيداً عن السلع المتقلبة.
هذه التوجهات الأمريكية تكررت في أوروبا، حيث تسارع التضخم في منطقة اليورو ليصل إلى 3% في أبريل مدفوعاً بتكاليف الطاقة، حسب بيانات Eurostat. وفي اليوم ذاته، بلغت أسعار الغاز بالجملة في هولندا وبريطانيا أعلى مستوياتها خلال أسبوعين، وسط مخاوف من فرض قيود طويلة الأمد على الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحنات النفط والغاز العالمية. ووفقاً لتقارير نشرتها "الشرق الأوسط"، فإن هذه الاضطرابات تهدد بمزيد من نقص الإمدادات، مما يضاعف الضغوط المالية على الأسر والشركات التي لا تزال تعاني من آثار التقلبات السابقة.
تبعات هذا الوضع طالت الجميع، وكان المستهلك هو الأكثر تضرراً من زيادة فواتير الغذاء والوقود، حيث وصل تضخم الغذاء في الولايات المتحدة إلى 2.7% على أساس سنوي. هذه المعطيات عقدت استراتيجيات البنوك المركزية؛ فالفيدرالي الأمريكي يواجه الآن تحديات أكبر في الموازنة بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار، خاصة مع توقعات بوصول التضخم إلى 3.5% بنهاية الربع الجاري. وفي أوروبا، يراقب البنك المركزي الأوروبي صدمات الطاقة هذه عن كثب، خشية أن تؤدي إلى تراجع المكاسب التي تحققت مؤخراً في مسار خفض التضخم.
يبقى المشهد المستقبلي ضبابياً ومشحوناً بالترقب، إذ تتوقع الأسواق احتمالية إجراء تعديلات في أسعار الفائدة إذا استمرت توترات الشرق الأوسط في تأجيج المخاوف بشأن الإمدادات. كما أن لجوء الشركات إلى تحميل المستهلكين تكاليف الرسوم الجمركية والطاقة قد يضمن استمرار موجة الصعود، مما يؤثر على الجميع من الموظفين إلى المصدرين. ويشدد صانعو السياسات، بما في ذلك اللجنة الاقتصادية المشتركة في الولايات المتحدة، على ضرورة المراقبة اليقظة، كون هذه التطورات تؤكد مدى هشاشة أسواق الطاقة العالمية في ظل النزاعات الجيوسياسية الراهنة.