تشهد أسواق السندات العالمية تحولاً لافتاً يعيد ترتيب أولويات المستثمرين، مع استمرار ارتفاع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل في الولايات المتحدة وبريطانيا واقتصاديات كبرى أخرى. هذا الارتفاع جعل الدخل المحقق من السندات ينافس، بل ويتجاوز في بعض الأحيان، توزيعات الأرباح في أسواق الأسهم؛ وهو ما وضع ضغوطاً إضافية على الأسهم، خاصة في الأسواق التي تعاني من تذبذب الأرباح وتخارج الاستثمارات الأجنبية.
وفي الولايات المتحدة، وصلت عوائد سندات الخزانة (Treasury yields) طويلة الأجل إلى مستويات قريبة من القمم التي سجلتها في عام 2007 وفقاً لبيانات Bloomberg. هذا الوضع قسم المستثمرين إلى فريقين: فريق يرى فيها فرصة مثالية للاستفادة من عوائد مغرية حالياً، وفريق يخشى أن تكون هذه مجرد إشارة تحذيرية لاحتمال تراجع أسعار السندات أكثر إذا استمرت العوائد في الصعود. وفي تقرير منفصل، ذكرت Bloomberg أن عوائد السندات لأجل 30 عاماً تحوم حول أعلى مستوياتها منذ عام 2023، حيث يحاول المتداولون الموازنة بين مخاوف التضخم وبين آمال التوصل إلى اتفاق يخفف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. والنتيجة هي سوق لا يزال يبحث عن اتجاه واضح، مع مراقبة دقيقة للبيانات الاقتصادية والملفات الجيوسياسية.
هذا التوتر يغذي جدلاً أوسع حول ما إذا كانت السندات الحكومية قد أصبحت بالفعل بديلاً أكثر جاذبية من الأسهم. ففي الهند مثلاً، أشار تقرير لـ Bloomberg إلى أن عائد توزيعات الأرباح على مؤشر Nifty أصبح الآن أقل من عوائد السندات الحكومية، وهو تطور يضعف جاذبية الأسهم الهندية. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أرباح الشركات المتفاوتة، وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الخارج، ومحدودية الاستفادة من قطاع الذكاء الاصطناعي (AI)؛ وهي عوامل جعلت الأسهم الهندية تكافح لمواكبة جاذبية السندات. بالنسبة للمستثمرين الذين يبحثون عن دخل ثابت ومستقر، فإن هذه الفجوة تجعل أدوات الدخل الثابت خياراً أفضل من الحصص في الشركات، على الأقل في المدى القصير.
ولا تختلف الصورة كثيراً في بريطانيا، حيث استقرت السندات يوم الاثنين، لكن عوائد الـ Gilt لأجل 10 سنوات ظلت قريبة من أعلى مستوياتها منذ سنوات. ويأتي ذلك في وقت يقيم فيه المستثمرون التداعيات المالية لاحتمال ترشح عمدة مانشستر، آندي بيرنهام، لمنصب رئيس الوزراء. فالارتفاع في العوائد يعكس غالباً القلق من حجم الاقتراض الحكومي، أو التضخم، أو تراجع الطلب على السندات، كما أنه يزيد من تكاليف التمويل على الدولة والشركات المرتبطة بمعدلات السوق. وتشير تقارير Bloomberg إلى أن السياسة أصبحت الآن جزءاً من حسابات مستثمري الديون في المملكة المتحدة، وهم يحاولون تقدير ما قد يعنيه أي تغيير في القيادة على مستويات الإنفاق والضرائب.
هذه التحركات بمجملها تؤكد فكرة جوهرية في السوق اليوم: عوائد السندات لم تعد مجرد خلفية لأسواق الأسهم، بل أصبحت منافساً مباشراً على سيولة المستثمرين. فعندما توفر السندات الحكومية عوائد أعلى بمخاطر أقل نسبياً مقارنة بالأسهم، فإنها تسحب البساط من تحت أسواق المال وتجبر المستثمرين على إعادة التفكير في توزيع أصول محافظهم الاستثمارية. هذا الأمر يكتسب أهمية كبرى في الأسواق التي يشهد فيها نمو الأرباح ضعفاً أو عدم استقرار، لأن ارتفاع عوائد السندات يجعل من الصعب تبرير التقييمات المرتفعة للأسهم.
في الوقت الحالي، يبدو أن المستثمرين عالقون بين الحذر وبين اقتناص الفرص. فالعوائد المرتفعة قد تكون فرصة لتأمين دخل كان من الصعب العثور عليه في السنوات الماضية، لكنها تعكس أيضاً مخاوف مستمرة بشأن التضخم والنمو وضبابية السياسات. وسيعتمد استمرار تفوق السندات على الأسهم في الفترة القادمة على مدى تطور هذه العوامل خلال الأسابيع والشهور المقبلة.