سجل الاقتصاد السعودي نمواً بنسبة 2.8% خلال الربع الأول من عام 2026، في خطوة تعكس قدرته على التكيف مع الضغوط الإقليمية وتقلبات أسواق النفط. وما جعل هذا النمو ممكناً هو الأداء القوي للأنشطة غير النفطية التي تحولت إلى المحرك الأساسي للاقتصاد. وبحسب تقديرات الهيئة العامة للإحصاء، التي نقلتها صحيفة "الشرق الأوسط"، فإن هذه الأرقام تؤكد متانة القواعد الاقتصادية للمملكة وقدرتها على تجاوز تحديات تذبذب الإنتاج النفطي والتوترات الجيوسياسية، مما يبرهن على نجاح خطط التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030 في تقليل الاعتماد على الموارد الهيدروكربونية.
هذه البداية الإيجابية للعام لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى زخم عام 2025 الذي شهد نمواً اقتصادياً بنسبة 4.5%، حيث سجلت الأنشطة غير النفطية ارتفاعاً بنسبة 4.9%، بينما حقق القطاع النفطي نمواً بنسبة 5.6% على مدار العام. وكشفت البيانات المحدثة أن نمو الربع الأول من 2025 وصل إلى 3.4%، في حين قفز نمو الربع الرابع إلى 5% بفضل زيادة كبيرة في النفط بنسبة 10.8%، تزامناً مع مكاسب مستقرة في القطاعات غير النفطية بلغت 4.3%. هذا المسار يؤكد قدرة السعودية على التفوق على المتوسطات العالمية، حيث يرى المحللون أن الاقتصاد غير النفطي أصبح صمام أمان يحافظ على الاستقرار حتى حين واجهت الإيرادات النفطية تحديات انخفاض الأسعار العالمية في 2025.
وبالنظر إلى المستقبل، تشير التوقعات إلى استمرار التوسع، إذ قدرت وزارة المالية نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.6% لعام 2026، مدفوعاً بزيادة قدرها 5% في الأنشطة غير النفطية، يدعمها ارتفاع الطلب المحلي وتحسن معدلات التوظيف وزيادة الاستثمار والاستهلاك الخاص. من جهته، يتوقع بنك Standard Chartered نمواً بنسبة 4.5%، وهو ما يتماشى مع أداء القطاع غير النفطي ويتجاوز المتوسط العالمي البالغ 3.4%، بفضل تخفيف قيود إنتاج OPEC+ والجهود المستمرة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وتتفق شركة KPMG مع هذه النظرة، حيث تتوقع نمواً قوياً للقطاعات غير النفطية في 2026 نتيجة الإصلاحات المالية التي تعزز الإيرادات غير النفطية، حتى مع التوجه لخفض إجمالي النفقات العامة طفيفاً لتصل إلى 1.313 تريليون ريال مقارنة بمستويات 2025.
وفيما يخص التوجهات المالية، قدر البيان التمهيدي لميزانية 2026 الإيرادات بنحو 1.15 تريليون ريال مقابل نفقات تبلغ 1.13 تريليون ريال، مع توقع عجز بقيمة 166 مليار ريال. ورغم أن هذا العجز يمثل زيادة بنسبة 63% عن عام 2025، إلا أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى دعم التحول الهيكلي في البلاد. وقد أكد وزير المالية محمد الجدعان على أهمية الحفاظ على الاستدامة المالية مع إعطاء الأولوية للإنفاق التنموي والإصلاحات التي ترفع الكفاءة. ومن المتوقع أن تصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 36% بنهاية العام، وهي نسبة تخدم التوجه نحو تنويع الاقتصاد، حيث تهدف السياسات إلى توسيع مصادر التمويل ودمج الأسواق السعودية في المؤشرات العالمية لجذب المزيد من رؤوس الأموال.
هذا المسار التصاعدي يهم بشكل مباشر سكان المملكة البالغ عددهم 39 مليون نسمة والمنطقة ككل؛ فهو يبعث برسالة استقرار وسط حالة عدم اليقين العالمية، ويسهم في خلق فرص عمل في قطاعات حيوية مثل التصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية، مما يقرب المملكة من أهداف رؤية 2030. كما أن قوة الأداء غير النفطي تعزز الإيرادات الضريبية وأرباح الشركات، مما ينعش حيوية القطاع الخاص. وهذا يضع المستثمرين أمام فرص واعدة في اقتصاد يتوقع أن يتجاوز تقديرات صندوق النقد الدولي العالمية البالغة ، بينما يوازن صناع القرار بين زيادة الإنفاق الرأسمالي ورفع كفاءة الصرف.
الخطوات القادمة تعتمد بشكل كبير على تعافي أسعار النفط، واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية. ورغم تحذيرات Standard Chartered من مخاطر تقلب أسعار النفط، إلا أن البنك يرى في نمو القطاعات غير النفطية ركيزة لضمان الاستقرار المالي. ومع اقتراب العديد من مشاريع رؤية 2030 من مراحلها النهائية، يتحول التركيز الآن نحو تعزيز المحتوى المحلي في المشتريات وتحرير السوق، مما يضع السعودية في موقع قيادي للنمو في الشرق الأوسط، مع التعامل مع عجز الميزانية كاستثمار في بناء مرونة اقتصادية طويلة الأمد.