باتت استثمارات الـ Deep tech تمثل اليوم 40% من إجمالي رأس المال الجريء عالمياً، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في بوصلة الاستثمار من التطبيقات الرقمية السريعة إلى الابتكارات العلمية العميقة التي تعيد تشكيل قطاعات كاملة. تقرير حديث أصدرته الشركة السعودية للاستثمار الجريء (SVC) بعنوان "تمكين الاستثمار الخاص لدعم التقنيات العميقة"، سلط الضوء على هذا التوجه، موضحاً الأسباب التي تدفع السعودية لتسريع جهودها في بناء منظومة متكاملة للـ Deep tech، وفقاً لما نقلته منصة جولة.
هذا التحول العالمي يكتسب أهميته من كون الـ Deep tech—الذي يغطي مجالات مثل الـ AI، والتصنيع المتقدم، والطاقة النظيفة—يعد المحرك الأساسي للتحول الاقتصادي والتنافسية على المدى الطويل. وفي السعودية، يتقاطع هذا الحراك مع رؤية 2030، حيث تسعى المملكة لتجاوز مرحلة الاعتماد على النفط نحو بناء اقتصاد صناعي متكامل يركز على الإنتاج، ومرونة سلاسل الإمداد، والقطاعات الاستراتيجية. وحسب تقرير "جولة"، تنجح المملكة في جذب استثمارات نوعية في التصنيع والطاقة لبناء صناعات ذاتية الاستدامة تقلل من الاعتماد على الموارد التقليدية.
صندوق الاستثمارات العامة (PIF)، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، اعتمد استراتيجية 2026-2030 التي تمنح هذه الطموحات أبعاداً أكبر. الخطة تركز على بناء منظومات محلية تنافسية، واستثمار الأصول الاستراتيجية، وتعظيم العوائد مع تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص. وبحسب "عرب نيوز" و"الشرق الأوسط"، تطور نهج الصندوق من مرحلة النمو المتسارع—التي قفزت فيها الأصول من 150 مليار دولار في 2015 إلى أكثر من 900 مليار دولار—إلى مرحلة صناعة القيمة المستدامة عبر ثلاث محافظ رئيسية: محفظة مالية للعوائد المستقرة، واستراتيجية لتطوير "الأبطال الوطنيين"، ومحفظة رؤية لتحقيق التكامل بين قطاعات مثل السياحة والتصنيع المتقدم والابتكار.
هذه الاستراتيجية تنطلق من نجاحات محققة على أرض الواقع؛ حيث مكنت استثمارات الصندوق المملكة من تغطية 70% من مستهدفات الطاقة المتجددة لعام 2030 عبر شركة "أكوا باور"، وساهمت في تطوير قطاع النقل البحري من خلال شركة "بحري"، كما أشارت وكالة الأنباء السعودية. ويدعم هذا التوجه بناء شراكات عالمية وتنويع الاقتصاد، خاصة وأن الصندوق ضخ أكثر من 199 مليار دولار في مشاريع محلية جديدة بين عامي 2021 و2025، محققاً عوائد سنوية تجاوزت 7% منذ عام 2017.
وبالتوازي مع هذه الجهود، تحقق السعودية قفزات في قيادة مجال الـ AI، حيث تصدرت دول العالم في معايير الأمن والخصوصية والتشفير وفقاً لتقرير جامعة ستانفورد لعام 2026 حول الذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان، حسب ما تناولته منصة جولة ووكالة الأنباء السعودية. هذا التقدم يعزز من زخم الـ Deep tech في المملكة، ويدعم دورها في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وفقاً لتصريحات مسؤول في البنك الدولي لصحيفة "الشرق الأوسط".
مبادرات القطاع الخاص تسير في ذات الاتجاه لتعزيز هذه المنظومة؛ فاتفاقيات شركة "المراعي" مع وزارة الاستثمار وبرنامج "شريك" تهدف لتوطين صناعة الأسماك وتعزيز الأمن الغذائي. ويمثل هذا التعاون نموذجاً لكيفية امتداد مفاهيم الـ Deep tech إلى قطاعات حيوية مثل التصنيع الغذائي وسلاسل الإمداد، وفقاً لصحيفة "الشرق الأوسط".
وبالنظر إلى المستقبل، تضع الاستراتيجية الجديدة لصندوق الاستثمارات العامة المملكة كوجهة عالمية للـ Deep tech، وهو ما سيعمل على جذب المزيد من الـ Venture capital والمواهب النوعية. ومع تركيز شركة "SVC" على تحفيز الاستثمارات الخاصة واستهداف الصندوق لبناء منظومات اقتصادية قابلة للتوسع، تتهيأ المملكة لقيادة قطاع التقنيات عالية الأثر، مما ينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة والازدهار الاقتصادي داخلياً، ويؤثر في مسارات الابتكار عالمياً.