بدأ سوق العقار السكني في السعودية يدخل مرحلة من الاستقرار بعد سنوات من النمو السريع في الأسعار، حيث سجل مؤشر أسعار القطاع تراجعاً بنسبة 1.6% في الربع الأول من العام الحالي، مستمراً في المسار النزولي الذي بدأ نهاية العام الماضي. وبحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، فإن هذا التراجع يمثل تصحيحاً صحياً للسوق، مدفوعاً بزيادة المعروض وتحسن التشريعات وزيادة وعي المشترين والمستثمرين. ووصف المحلل العقاري خالد المبيض هذا التحول بأنه "تصحيح منطقي للأسعار" وليس فقداناً للقيمة، وهو ما يدعم استدامة القطاع على المدى الطويل.
هذا التحول جاء انعكاساً لتوجهات الدولة التي أثرت بشكل مباشر على مدينة الرياض، حيث انخفضت أسعار العقارات فيها بنسبة 3% في الربع الأخير من عام 2025، بعد أن كانت قد ارتفعت بنسبة 1% سابقاً. وعلى المستوى الوطني، تراجع مؤشر أسعار العقارات بنسبة 0.7% في ذلك الربع مقارنة بالعام السابق، وكان القطاع السكني الأكثر تأثيراً بتراجع سنوي قدره 2.2%. شمل هذا الانخفاض أسعار الأراضي السكنية بنسبة 2.4%، والشقق بنسبة 2.5%، والفيلات بنسبة 1.3%، والأدوار السكنية بنسبة 0.2%، مما يعكس نجاح السياسات الرامية إلى كبح ارتفاع التكاليف تماشياً مع أهداف التنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030.
ورغم هدوء الأسعار، إلا أن حركة الصفقات أظهرت مرونة لافتة، ففي النصف الأول من عام 2025، ارتفعت الصفقات السكنية بنسبة 7% على أساس سنوي لتتجاوز 93,700 صفقة، وشكلت 63% من إجمالي قيمة التداولات العقارية بقيمة 77.5 مليار ريال، رغم انخفاض إجمالي قيم الصفقات بنسبة 2.4%. وصلت نسبة تملك المساكن إلى 65.4% بنهاية عام 2024، مما يؤكد استمرار الطلب المحلي. وأظهرت مدن مثل جدة قوة واضحة، حيث قفزت قيم الصفقات السكنية فيها بنسبة 28% في أوائل عام 2025 مع زيادة في أحجام التداول بنسبة 19%، ترافق ذلك مع نمو معتدل في الأسعار بنسبة 1.6% للشقق و3.1% للفيلات في الربع الثالث.
استقرار السوق يكتسب أهميته كونه يخفف من ضغوط القدرة على الشراء التي عانى منها المشترون لسنوات بعد الارتفاعات الحادة، خاصة في الرياض. وتستمر البرامج الحكومية مثل "سكني" وصندوق التنمية العقارية في تسهيل تملك المساكن، بينما يدعم النمو السكاني الشاب ومبادرات رؤية 2030 التوقعات الإيجابية بعيدة المدى. كما يُتوقع أن تساهم تعديلات أنظمة تملك الأجانب والحوافز مثل رسوم الأراضي البيضاء المعدلة في فتح المجال لطلب جديد من المقيمين والمستثمرين الإقليميين، مما قد يرفع أحجام التداول في الرياض وجدة والدمام.
في المرحلة المقبلة، يرى الخبراء زخماً إيجابياً إذا حافظت الأسعار على استقرارها. فالسوق في الرياض يتوازن تدريجياً بعد توسع سريع، مع وجود طلب مستمر على الشقق والفيلات عالية الجودة. أما تعافي جدة، الذي ظهر في زيادة الصفقات بنسبة 10.3% في الربع الثالث من 2025، فيشير إلى أن استقرار الظروف قد يحفز مزيداً من النشاط. وبشكل عام، فإن تحول القطاع السكني إلى بيئة يقودها المشترون يجهزه لنمو مستدام حتى عام 2026 وما بعده، مدعوماً بأسس اقتصادية متينة وتطور مستمر في البيئة التنظيمية.