تواجه شركات التقنية ضغوطاً متزايدة لتقليص تكاليف الذكاء الاصطناعي. هذا الوضع دفع بعضها إلى اختبار ما إذا كانت النماذج الأصغر والأرخص قادرة على إنجاز المهام التي كانت حكراً على الأنظمة الضخمة، ودون أن يؤثر ذلك على الجودة. هذا التحول قد يعيد رسم الخارطة الاقتصادية للقطاع بالكامل، لكنه يفرض على الشركات في الوقت نفسه تقديم تنازلات صعبة، وتحديد أي الفرق والمنتجات وأعباء العمل تستحق الوصول إلى النماذج الأقوى، وأيها يجب أن يكتفي بالبدائل الأرخص.
ويشير موقع TechCrunch إلى أن ارتفاع أسعار الـ tokens وتراجع الدعم المالي يدفعان المستخدمين إلى إعادة النظر في مدى اعتمادهم على الـ frontier models. وتظهر التجارب الأولية أن النماذج الأرخص يمكنها أحياناً أن تحل محل الأنظمة المكلفة دون أي تراجع ملموس في الجودة، بشرط تصميم النظام بذكاء. وتعد شركة Harvey المتخصصة في الذكاء الاصطناعي القانوني مثالاً حديثاً على ذلك، حيث نجحت في خفض تكاليف الـ inference بمقدار ثلاث مرات عبر الدمج بين عدة نماذج، وتوجيه المهام الأكثر تعقيداً فقط إلى النظام الأقوى والأعلى سعراً.
هذا النوع من التحسين قد يغير قواعد اللعبة في القطاع. فإذا تمكنت الشركات من نقل جزء كبير من أعباء العمل إلى نماذج أرخص بكثير، فقد تواجه مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى ضربة مالية موجعة، خاصة في وقت تستعد فيه شركات مثل OpenAI و Anthropic لـ IPOs محتملة. وفي هذا السياق، يتوقع الشريك المؤسس لمنصة Coinbase، برايان أرمسترونغ، أن "80% من أعباء العمل ستدار عبر نماذج أرخص بنسبة 99%" خلال عام إلى عام ونصف، مما يترك المهام الأكثر تطلباً فقط لأنظمة الجيل الأحدث.
غير أن السعي وراء خفض التكاليف لا يمر دون عقبات. فقد كشف تقرير لموقع Business Insider أن محاولات الشركات لتقليص ميزانيات الذكاء الاصطناعي قد تخلق توترات داخلية؛ حيث تتاح الأدوات المتقدمة لبعض الموظفين أو الأقسام دون غيرهم ممن يُجبرون على استخدام بدائل أقل كفاءة وسعراً. هذا التمييز قد يؤدي إلى نشوء ما وصفه أحد التقارير بـ "النظام الطبقي المؤسسي"، حيث يصبح الوصول إلى النماذج الأفضل مرتبطاً بالمكانة الوظيفية، أو الميزانية المتاحة، أو الأهمية الاستراتيجية للقسم.
وضغوط التوفير هذه تبدو واضحة أيضاً لدى الـ startups التي تقدم خدمات الذكاء الاصطناعي للأفراد. وذكر تقرير Business Insider أن شركة Inworld، وهي startup متخصصة في تقنيات الصوت بالذكاء الاصطناعي، خفضت أسعارها بأكثر من النصف. وجاءت خطوة رئيسها التنفيذي، كيلان غيبس، لمساعدة شركات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلكين على مواجهة التكاليف المرتفعة للنماذج وضيق هوامش الربح. ويعكس هذا واقعاً أعمق تواجهه الـ startups؛ فالأسعار المنخفضة قد تجعل منتجات الذكاء الاصطناعي قابلة للاستمرار تجارياً، ولكن هذا مشروط بتحسن اقتصاديات التشغيل الأساسية بما يكفي لتحقيق هوامش ربح حقيقية.
في الوقت الحالي، يظل السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه النماذج الأرخص ستتحول إلى خيار أساسي للمهام اليومية المعتادة، أم أنها مجرد حل مؤقت. ويرى موقع TechCrunch أن الشركات قد تلتف على ضغوط التكلفة بطرق أخرى، مثل تقليل عدد الـ model calls، أو استخدام context أقل، أو حتى التراجع عن بعض المشاريع بالكامل. والنتيجة هي تجربة متسارعة يعيشها القطاع اليوم: فإذا أثبتت النماذج الأرخص قدرتها على الحفاظ على الجودة، فستتحول إلى العمود الفقري للذكاء الاصطناعي اليومي؛ أما إذا فشلت، فستضطر الشركات إلى مواصلة الدفع مقابل أفضل الأنظمة، والتعايش مع التوترات الداخلية التي تصاحب هذا القرار.