أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً بسحب 5000 جندي أمريكي من ألمانيا، في خطوة تصعيدية تعكس عمق الخلاف العلني مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول الحرب الدائرة في إيران. البنتاغون أعلن عن هذا التحرك يوم الجمعة، ونقل مسؤول رفيع —طلب عدم ذكر اسمه— أن التصريحات الألمانية الأخيرة كانت "غير لائقة ولا تخدم المصالح المشتركة". هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل تبع تهديدات أطلقها ترامب مطلع الأسبوع بعدما انتقد ميرتس الطريقة التي تدير بها واشنطن مفاوضاتها مع إيران.
الشرارة بدأت يوم الاثنين، حين صرح ميرتس علناً بأن الإيرانيين، وتحديداً الحرس الثوري، يتعمدون إهانة الولايات المتحدة في المحادثات الرامية لإنهاء الصراع المستمر منذ شهرين. ميرتس أشار إلى جولات المسؤولين الأمريكيين في باكستان التي لم تثمر عن نتائج، وقال بوضوح: "هناك أمة كاملة تتعرض للإهانة على يد القيادة الإيرانية.. وأتمنى أن ينتهي هذا الوضع في أسرع وقت". وبحسب ما ذكرته صحيفة The Independent، فإن هذه التصريحات كانت جزءاً من ضغط أوسع يمارسه ميرتس ليدفع ترامب نحو إعطاء الأولوية لحماية حلفاء NATO بدلاً من تقديم التنازلات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
رد ترامب لم يتأخر، حيث هاجم ميرتس عبر منصة Truth Social يوم الخميس، وطالبه بالتركيز على إنهاء الحرب في أوكرانيا وإصلاح "بلده المنهار" بدلاً من التدخل في ملف المفاوضات مع إيران. من جانبه، أكد متحدث باسم البنتاغون أن سحب القوات يعبر عن حالة الإحباط من الموقف الألماني، الذي تراه واشنطن تقويضاً لوحدة الحلفاء في وقت تتصاعد فيه التوترات مع إيران وأذرعها في المنطقة.
هذا الانسحاب يضع العلاقات الأمريكية الألمانية —التي تعد ركيزة أساسية لحلف NATO— تحت اختبار حقيقي، خاصة وأوروبا تواجه تحديات أمنية معقدة. ألمانيا ليست مجرد حليف، فهي تستضيف عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين وتعتبر حجر الزاوية للوجود العسكري للولايات المتحدة في القارة. ويرى محللون، ومنهم سام كيلي محرر الشؤون الدولية في The Independent، أن موقف ميرتس الصارم يعكس تحولاً نحو ألمانيا أكثر حزماً، ولم تعد تقبل بالتبعية المطلقة لتقلبات السياسة الخارجية الأمريكية.
تداعيات هذه الخطوة تتجاوز العلاقات الثنائية لتصل إلى ديناميكيات الحلف ككل؛ حيث يخشى شركاء NATO من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف قوة الردع تجاه روسيا، خاصة مع بقاء الصراع في أوكرانيا دون حل. ومن المتوقع إعادة توزيع هذه القوات في مناطق أخرى داخل أوروبا أو إعادتها للولايات المتحدة، رغم أن التفاصيل لا تزال غير واضحة. وفي هذه الأثناء، لا تزال الحرب في إيران مستمرة دون وجود أي بوادر لانفراجة دبلوماسية قريبة.
المشهد القادم يكتنفه الغموض؛ فبينما قد يحاول القادة الأوروبيون ترميم العلاقات لتجنب مزيد من الانسحاب الأمريكي، أظهر ميرتس أنه لا ينوي التراجع عن انتقاداته. ورغم أن لهجة البنتاغون الحادة ضد ألمانيا تعكس انقسامات داخلية في الإدارة الأمريكية، إلا أن قرار السحب لا يزال قائماً كرد فعل مباشر على هذا السجال. أما بالنسبة للعسكريين الأمريكيين وعائلاتهم المتواجدين في ألمانيا، فإن هذا القرار يعني عمليات نقل مفاجئة، مما يربك حياتهم وخططهم العملياتية.