أقر البرلمان التركي تشريعات موسعة تمنع الأطفال دون سن 15 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي، لتنضم تركيا بذلك إلى موجة عالمية متزايدة تسعى لتقييد وصول الصغار إلى الفضاء الرقمي. القانون الذي أُقِر يوم الأربعاء يلزم شركات التواصل الاجتماعي بتفعيل أنظمة التحقق من العمر، ومنع أي شخص لم يتجاوز السن القانونية من إنشاء حسابات، وهو ما يضع تركيا في صف دول مثل أستراليا وفرنسا واليونان والبرتغال التي تبنت أطراً مشابهة لحماية الأطفال.
تفرض هذه التشريعات اشتراطات صارمة على المنصات التقنية العاملة في تركيا. فإلى جانب إلزامية أنظمة التحقق من العمر لمنع من هم دون الـ 15 من التسجيل، سيتعين على هذه الشركات تقديم خدمات مخصصة ومناسبة عمرياً للمستخدمين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً. كما يمنح القانون أولياء الأمور أدوات رقابية واسعة، تشمل إدارة إعدادات الحسابات، والموافقة على عمليات الشراء داخل التطبيقات أو تقييدها، ومراقبة وقت استخدام الشاشة. وبموجب القانون، ستكون المنصات ملزمة بمنع الإعلانات المضللة أو الضارة التي تستهدف القصر، والاستجابة لطلبات الحذف الطارئة للمحتوى خلال ساعة واحدة فقط.
توقيت صدور هذا القانون لم يأتِ من فراغ، بل يحمل دلالات عميقة؛ إذ جاء بعد أسبوع واحد فقط من حادثة إطلاق نار مأساوية في مدرسة بمدينة Kahramanmaras جنوب تركيا، حيث قتل مراهق يبلغ من العمر 14 عاماً تسعة طلاب ومعلماً. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي طرح حزبه مشروع القانون، وصف التواصل الاجتماعي بأنه تهديد لسلامة الأطفال وصحتهم النفسية، مشدداً على ضرورة الحد من المخاطر التي يواجهها الشباب على الإنترنت.
في حال وقع الرئيس أردوغان على القانون خلال المهلة المحددة بـ 15 يوماً، سيبدأ سريان القيود على المنصات في أكتوبر 2026، أي بعد ستة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية. ولا يقتصر القانون على المنصات الكبرى مثل YouTube وTikTok وFacebook وInstagram فحسب، بل يشمل أيضاً شركات الألعاب الإلكترونية، التي ستكون ملزمة بتعيين ممثلين لها في تركيا لضمان الامتثال للضوابط الجديدة.
آليات التنفيذ تبدو حازمة للغاية؛ فالشركات التي لا تلتزم بالتعليمات خلال 30 يوماً من تلقيها غرامات إدارية ستواجه حظراً على الإعلانات. وإذا استمرت المخالفات، فقد تلجأ السلطات بقرار قضائي إلى تقليص عرض النطاق الترددي (bandwidth) بنسبة تتراوح بين 50 إلى 90 بالمئة، وهو ما يعني عملياً خنق الوصول إلى هذه المنصات داخل البلاد. وستتولى هيئة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التركية (BTK) مهمة الإشراف على تنفيذ هذه العقوبات.
ورغم أن الحكومة تروج لهذه الإجراءات كخطوة لحماية الأطفال، إلا أن المعارضة السياسية ترى المشهد من زاوية مختلفة. فقد انتقد حزب الشعب الجمهوري (CHP)، المعارض الرئيسي، التشريع واعتبره أداة للرقابة السياسية أكثر من كونه وسيلة حقيقية لحماية الصغار، مستشهداً بقرار السلطات التركية السابق بحظر Instagram وRoblox وتقييد المنصات خلال فترات التوتر السياسي. ويأتي هذا القانون بالتزامن مع مبادرة حكومية أخرى تطلب التحقق من هوية جميع المواطنين الأتراك الذين يستخدمون التواصل الاجتماعي، مما أثار مخاوف أوسع بين الحقوقيين حول مستقبل الحقوق الرقمية في البلاد.