سجل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة تراجعاً غير متوقع خلال شهر مارس 2026، حيث انخفض بنسبة 0.5% عن مستويات فبراير. هذا الهبوط، الذي يُعد الأول منذ نوفمبر الماضي، كسر موجة من المكاسب استمرت لشهرين، وجاء مخيباً لتوقعات السوق التي كانت تنتظر زيادة طفيفة، وذلك بناءً على بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي التي نقلتها "الشرق الأوسط".
يعود السبب الرئيسي لهذا التراجع إلى انخفاض حاد في مخرجات قطاع المرافق بنسبة 2.3%، وهبوط التعدين بنسبة 1.2%، في حين تراجع إنتاج التصنيع بشكل طفيف بواقع 0.1%. وفي تفاصيل قطاع التصنيع، تأثر إنتاج السلع المعمرة بهبوط حاد في قطاع السيارات وقطع الغيار بنسبة 3.7%، إلى جانب تراجع في المعادن الأساسية والآلات والأثاث. أما السلع غير المعمرة فقد سجلت انخفاضاً بسيطاً، حيث شمل التراجع معظم الفئات باستثناء مكاسب في قطاعات البترول والبلاستيك والمنتجات الورقية، وفقاً لتحليلات الاحتياطي الفيدرالي.
ورغم هذا التعثر الشهري، إلا أن المشهد العام للاقتصاد لا يزال يظهر تماسكاً؛ فقد نما الإنتاج الصناعي بمعدل سنوي قدره 2.4% في الربع الأول من عام 2026، وتوسع قطاع التصنيع بنسبة 3.0% خلال الفترة نفسها. وعلى أساس سنوي، ارتفع إجمالي الإنتاج الصناعي بنسبة 1.3% في مارس ليصل إلى 103.9% من متوسط مستويات عام 2017، وفقاً لبيانات الجمعية الوطنية للمصنعين. وفيما يخص Capacity utilization (استغلال الطاقة الإنتاجية)، فقد تراجع إلى 77.8% بشكل عام، ووصل في قطاع التصنيع إلى 77.3%، وهي أرقام تظل دون المعدلات التاريخية طويلة الأمد، لكنها أعلى قليلاً مما كانت عليه قبل عام.
هذا التباطؤ المفاجئ يأتي في وقت تظهر فيه مؤشرات اقتصادية إيجابية أخرى، مثل انخفاض طلبات إعانة البطالة الأسبوعية، ما يشير إلى استقرار سوق العمل رغم حذر الشركات في التوظيف. ويرى محللون من Haver Analytics أن هذا الهبوط كان أسوأ قليلاً من الانخفاض المتوقع بنسبة 0.2%، وأرجعوا ذلك جزئياً إلى تراجع كبير في قطاع المرافق وصل إلى 5.8% في بعض التقديرات، رغم أن أرقام الاحتياطي الفيدرالي تركز على ضعف واسع النطاق في السلع الاستهلاكية ومعدات الأعمال.
ومع ذلك، لم يخلُ قطاع التصنيع من نقاط قوة، حيث سجلت معدات الفضاء ارتفاعاً بنسبة 1.8%، ومعدات الأعمال 1.7%، ومستلزمات البناء 0.6%، ما يعكس أداءً متفاوتاً في ظل تذبذب الطلب. في المقابل، انخفضت السلع الاستهلاكية المعمرة بنسبة 1.8% متأثرة بضعف قطاع السيارات، بينما هبطت السلع غير المعمرة بنسبة 1.4% بسبب تراجع قطاع الطاقة.
تكمن أهمية هذه البيانات في كون الإنتاج الصناعي مقياساً حقيقياً للمخرجات في قطاعات حيوية مثل التصنيع والتعدين والمرافق، كونه لا يتأثر بتذبذبات التضخم، كما أنه يؤثر بشكل مباشر على قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة. وأي ضعف في هذا النشاط قد يكون إشارة على برود الطلب أو تعطل في سلاسل التوريد، وهو ما يمس ملايين العاملين في هذه القطاعات ويؤثر على إمدادات السلع، من السيارات إلى الإلكترونيات.
يتطلع الاقتصاديون الآن إلى أرقام شهر أبريل بحثاً عن بوادر انتعاش، خاصة وأن النمو المحقق في الربع الأول يمنح الاقتصاد هامشاً للمناورة. وتشير اتجاهات Capacity utilization، التي تقل حالياً بنحو عن متوسط الفترة بين 1972 و2024، إلى وجود مساحة للتوسع إذا تحسن الطلب، لكن استمرار التراجع في قطاعي المرافق والتعدين قد يمثل ضغطاً على زخم النمو العام.