ترصد الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة ما بدأ المسؤولون والباحثون يصفونه بـ “Anti-tech extremism” (التطرف المناهض للتقنية)، وهو مصطلح يُطلق اليوم على مساحة متسعة من العداء تجاه الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، وفقاً لما نقلته "WIRED" و"Fast Company". تبرز هذه القضية في وقت يعيش فيه الشارع الأمريكي حالة من القلق؛ إذ تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن الكثيرين يشعرون بتخوف حقيقي من توغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتهم اليومية أكثر من حماسهم له. واللافت أن الوثائق الفيدرالية التي حصلت عليها "WIRED" تشير إلى أن الوكالات الحكومية بدأت تتعامل مع هذا التوجه كمصدر محتمل للقلق الأمني.
تعكس هذه التحذيرات مخاوف جدية من تحول الغضب العام من مجرد نقد للذكاء الاصطناعي إلى تهديدات أو أعمال عنف تستهدف الموظفين والمديرين في شركات التقنية، أو حتى البنية التحتية نفسها. وتوضح الوثائق أن السلطات وضعت هذه المخاطر في تصنيف جديد، في ظل ما يواجهه المجتمع من قلق حيال فقدان الوظائف بسبب الـ Automation، وتوسع الـ Data centers في المناطق السكنية، وفقدان الثقة بشكل عام في التغييرات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي. وبحسب تقرير "Fast Company"، فإن الحكومة تراقب حالياً الانتقادات الموجهة للذكاء الاصطناعي على مستوى البلاد، مما يوضح أن التحفظ على التقنية بدأ يُنظر إليه تدريجياً من زاوية أمنية.
يأتي هذا الجدل في وقت تسعى فيه الحكومات لفهم كيفية التعامل مع ردود الفعل الغاضبة تجاه التقنيات الناشئة، سواء على الإنترنت أو في الواقع. فالمنتقدون يتحدثون عن مخاطر المراقبة، وتضرر سوق العمل، والتحيز، والتكلفة البيئية الضخمة التي تفرضها الـ Data centers. وفي المقابل، يخشى المسؤولون من استغلال أطراف متطرفة لهذه المبررات لشرعنة الترهيب أو الاعتداءات. هذا التوتر يطرح سؤالاً جوهرياً حول الحد الفاصل بين حق الاعتراض المشروع وبين الانزلاق نحو التطرف.
تكمن أهمية هذا التصنيف في أن المشاعر المناهضة للتقنية ليست محصورة في دائرة ضيقة من المتطرفين أيديولوجياً؛ فالقلق من الذكاء الاصطناعي أصبح قضية عامة وشائعة، وهذا ما يجعل الفصل بين الاعتراض الشعبي الطبيعي وبين الخطاب العنيف أمراً غاية في الصعوبة. وبناءً على هذا الفصل، سيتحدد مدى حزم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في مراقبة هذا الملف مستقبلاً.
هذا النقاش له تداعيات مباشرة على المجتمعات المتأثرة بتوسع مشاريع الذكاء الاصطناعي. فسكان المناطق القريبة من الـ Data centers المقترحة، والموظفون القلقون من الـ Automation، والمنتقدون لسياسات التقنية، قد يجدون أنفسهم فجأة جزءاً من حديث أوسع يتعلق بالأمن وحرية التعبير والاحتجاج. وتشير التقارير إلى أن الوكالات الحكومية باتت تولي اهتماماً كبيراً لاحتمالية تحول هذه المظالم إلى مضايقات مستهدفة أو عمليات تخريب.
يعتمد المسار القادم على المدى الذي ستذهب إليه السلطات في تعريف هذا التهديد. فإذا تحول مصطلح “Anti-tech extremism” إلى تصنيف أمني ثابت، فسيؤثر ذلك بشكل مباشر على أولويات المراقبة، وتقييم المخاطر، وطريقة تعامل الأمن مع الاحتجاجات والخطاب المتداول إلكترونياً حول الذكاء الاصطناعي. ما نلمسه حالياً هو أن نقد التقنية لم يعد مجرد نقاش حول السياسات العامة، بل بدأ يُعامل في بعض أروقة الحكومة كملف يمس السلامة العامة.