أظهرت استطلاعات بنك إنجلترا أن صدمة أسعار الطاقة المستمرة، والتي أشعلتها الحرب في إيران، لم تؤدِ بعد إلى رفع سقف المطالب بالأجور داخل الشركات البريطانية، رغم أن هذه الشركات تخطط لأكبر زيادة في أسعارها منذ أكثر من عامين. وتكشف أحدث بيانات البنك المركزي عن حالة من القلق المتزايد بين المستهلكين والشركات تحت وطأة هذه الضغوط.
وتشير البيانات التي فصلتها Bloomberg Economics إلى أن الشركات تستعد لزيادات كبيرة في الأسعار —هي الأكبر منذ مطلع 2024— في وقت لا تزال فيه وتيرة نمو الأجور هادئة رغم قفزة تكاليف الطاقة الناتجة عن توترات الشرق الأوسط. هذا التباين بين الأسعار والأجور يوحي بأن أزمة الطاقة لم تترجم فوراً إلى ضغوط في سوق العمل، وهو ما يعطي صناع السياسات نوعاً من الاطمئنان المؤقت بشأن احتمالات خروج التضخم عن السيطرة. ومع ذلك، فإن ثقة المستهلكين وقطاع الأعمال بدأت تتآكل، ما قد يجعل المشهد الاقتصادي أكثر تعقيداً.
وفي سياق متصل، حذرت سارة بريدن، نائبة محافظ البنك للاستقرار المالي، من أن أسعار الأصول المرتفعة جداً، بما في ذلك وصول قيم الأسهم إلى مستويات قياسية، لا تعكس المخاطر الحقيقية المحيطة بالأسواق العالمية. وأوضحت بريدن في حديث للـ BBC أن "هناك الكثير من المخاطر في الأفق"، متوقعة حدوث تصحيح في الأسواق مع استيعاب المستثمرين لتبعات الاضطرابات الجيوسياسية. ورغم تراجع الأسواق بأكثر من 8% الشهر الماضي بسبب صراع إيران، ترى بريدن أن الأسعار لم تصل للقاع بعد بالنظر إلى الرياح الاقتصادية المعاكسة.
وسبق للجنة السياسة المالية بالبنك أن سلطت الضوء على كيفية تفاعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مع نقاط الضعف في الاقتصاد البريطاني، وهو ما يضغط على النمو ويرفع التضخم ويؤدي لتشديد الظروف المالية. وتأتي توترات الخليج المتصاعدة لتزيد من حدة المخاطر العالمية المرتفعة أصلاً، وبينما يظهر النظام المالي صموداً حتى الآن، فإنه يبقى تحت ضغط شديد. وأعربت بريدن عن قلقها تحديداً من "احتمالية" حدوث صدمات متعددة في وقت واحد، مثل الاضطرابات الاقتصادية الكلية التي تنهش في جدار الثقة.
هذا المزيج من استجابة الأجور الضعيفة لصدمات الطاقة وتضخم قيم الأصول، يعمق حالة عدم اليقين في الاقتصاد البريطاني. هناك نحو 1.3 مليون أسرة تواجه الآن ارتفاعاً في تكاليف الرهن العقاري كنتيجة مباشرة للحرب، ما يزيد الضغط على ميزانيات العائلات والإنفاق الاستهلاكي. وتتأثر الشركات والأسر بشكل مباشر بهذا الوضع، حيث تهدد تصحيحات السوق المحتملة ثروات المستثمرين وفرص التمويل للشركات.
يبقى المسار القادم غير مستقر؛ فالبنك يتوقع إعادة تقييم للأسواق، بينما يراقب ما إذا كان التضخم المدفوع بالطاقة سيؤدي في النهاية إلى اشتعال مطالب الأجور. وسيدقق صناع السياسات في البيانات القادمة بحثاً عن أي إشارات لظهور حلقة مفرغة بين الأجور والأسعار، أو تشديد مالي أكثر حدة. هذه التطورات تمس حياة البريطانيين اليومية وهم يحاولون التأقلم مع ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض، مثلما تمس استقرار الأسواق العالمية المرتبطة بقوة بالوضع البريطاني.