بريطانيا تسعى لإعادة ضبط التجارة مع الاتحاد الأوروبي لاستعادة نصف الناتج الاقتصادي المفقود بسبب "بريكست
التراجع عن بريكست قد ينعش اقتصاد بريطانيا، لكن حجم الفائدة مرتبط بمدى جدية الحكومة في ترميم علاقتها مع الاتحاد الأوروبي. تشير تقديرات Bloomberg Economics إلى أن الخروج من التكتل كلف المملكة المتحدة ما بين 2% إلى 4% من ناتجها الاقتصادي، ويمكن استعادة نصف هذه الخسائر تقريباً لو تحسنت حركة التجارة مع أوروبا.
هذا الواقع الاقتصادي يفسر توجه حكومة كير ستارمر العمالية نحو "إعادة ضبط" العلاقة مع بروكسل، بدلاً من العودة الكاملة لما كان عليه الحال قبل بريكست. وبحسب مركز أبحاث البرلمان الأوروبي، أوضحت لندن أنها لن تعود إلى الـ Single Market أو الـ Customs Union، لكنها بدأت في التواصل الدبلوماسي مع الاتحاد كأولوية، مع رغبة الطرفين في تعاون أوثق في ملفات الأمن والدفاع والتجارة والبحث والابتكار.
يرى تحليل Bloomberg Economics أن الفوائد الحقيقية ستأتي من تقليل الحواجز التجارية، خاصة في السلع والقطاعات الخاضعة للتنظيم. كما يوضح أن جزءاً كبيراً من ضرر بريكست لم ينتج عن صدمة الانفصال نفسها، بل عن "الاحتكاك" المتراكم بسبب إجراءات التفتيش الإضافية، والتعقيدات الورقية، والاختلاف التنظيمي؛ وهي عوامل جعلت التجارة عبر المانش أبطأ وأكثر كلفة.
الحدود السياسية لا تقل أهمية عن العوائق الاقتصادية. فحتى لو أرادت بريطانيا تقارباً أكبر، فمن المستبعد أن يمنحها الاتحاد الأوروبي المزايا نفسها التي كانت تتمتع بها كعضو. هناك ملفات لا تزال شائكة، مثل حرية التنقل، وحقوق الصيد، والسؤال الأكبر حول مدى التزام القانون البريطاني بالقواعد الأوروبية. يشير تقرير البرلمان الأوروبي إلى أن بروكسل مهتمة جداً بتحسين ملف التنقل، خاصة للشباب، وضمان الوصول في مجالات مثل الصيد، في حين تضع لندن خطوطاً حمراء تمنع العودة إلى الـ Single Market أو الـ Customs Union.
بالنسبة للشركات، الرهان عملي بقدر ما هو رمزي. فالعلاقة الأوثق مع الاتحاد قد تسهل مهام المصدرين والمصنعين والقطاعات التي تعتمد على التوافق التنظيمي، بينما الاكتفاء بإعادة ضبط محدودة لن يحقق سوى تعافٍ جزئي. وتجادل Bloomberg Economics بأن الخيار أمام الحكومة الآن ليس مجرد "إلغاء" بريكست، بل تحديد الأضرار الاقتصادية التي يمكن معالجتها واقعياً عبر اتفاقيات مستهدفة.
في سياق أوسع، شهدت العلاقات بين لندن وبروكسل تحسناً ملحوظاً مقارنة بسنوات التوتر التي تلت الانسحاب، خاصة بعدما ساعد الـ Windsor Framework في حل نزاعات تخص أيرلندا الشمالية. ويذكر مركز أبحاث البرلمان الأوروبي أن التعاون توسع ليشمل ملفات الدفاع والمناخ والطاقة، ويتوقع أن تزداد وتيرة المفاوضات مع محاولة الطرفين رسم ملامح الشراكة في مرحلة ما بعد بريكست على أرض الواقع.
