ألقت ضربات الدرون الأوكرانية بظلالها على منتدى بوتين الاقتصادي السنوي في سانت بطرسبرغ، حيث كشف الدخان والنيران المتصاعدة من أطراف المدينة حجم الضغط الذي تفرضه الحرب على الاقتصاد الروسي ومنظومة الطاقة. التوقيت كان محرجاً للكرملين الذي يعتمد على هذا المنتدى لتصدير صورة من الثقة والصمود، في وقت اعترف فيه دبلوماسي روسي رفيع في لندن بأن الحرب "كلفت الكثير".
وبحسب تغطية الـ Independent، قال المبعوث الروسي إن موسكو "لا يمكن أن تخسر هذه الحرب"، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بأن الهجمات الأوكرانية ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية النفطية. يتماشى هذا الاعتراف مع توجه أوكراني متزايد، رصدته تقارير صحفية، يركز على استهداف أصول الطاقة الروسية بهدف إضعاف تدفقات الإيرادات التي تمول العمليات العسكرية.
رسمت ضربة الدرون في سانت بطرسبرغ مشهداً قاتماً لما يصفه البعض بـ "داوفس الروسي"، وهو الواجهة الاستثمارية الأهم للكرملين. ونقلت الـ Independent أن سحابة سوداء ضخمة ارتفعت في سماء المدينة بعد الهجوم، مما خلق تناقضاً صارخاً مع الصورة المنمقة التي يحاول بوتين تقديمها عادة في هذا الحدث. وبينما يصر المسؤولون الروس على أن المنتدى دليل على أن بلادهم لا تزال مفتوحة للأعمال والاستثمار، جاءت الضربة لتؤكد هشاشة الوضع الأمني حتى في المراكز الحضرية الكبرى البعيدة عن خطوط المواجهة.
وتصاعدت الحملة الأوكرانية ضد منشآت النفط الروسية في الأسابيع الأخيرة، حيث أفادت CBS News بأن طائرات مسيرة ضربت مرافق حيوية، من بينها ميناء "بريمورسك" على بحر البلطيق وناقلات نفط تربطها كييف بجهود الالتفاف على العقوبات. وتسعى أوكرانيا من خلال هذه العمليات إلى تقويض قدرة روسيا على تصدير النفط وتحصيل عوائد الحرب، خاصة وأن موانئ البلطيق المستهدفة تستحوذ على حصة كبيرة من إجمالي الصادرات النفطية الروسية، مما يمنحها أهمية استراتيجية قصوى.
هذه الاستراتيجية زادت من الضغوط السياسية والاقتصادية على موسكو؛ إذ يرى المسؤولون الأوكرانيون أن عوائد النفط هي الوقود المباشر للغزو الذي دخل عامه الخامس، بينما يجد المسؤولون الروس أنفسهم مضطرين للحديث عن تكلفة الحرب علناً، رغم إصرارهم على قدرتهم على الحسم. وتوحي تصريحات المبعوث الروسي في لندن بأن موسكو تدرك حجم العبء الاقتصادي، لكنها لا تظهر أي نية للتراجع.
تأتي هذه الضربات في ظل تبادل مستمر للهجمات على البنية التحتية بين البلدين، حيث ذكرت CBS News أن روسيا أطلقت موجة واسعة من الدرونات والصواريخ الباليستية باتجاه أوكرانيا، نجحت الدفاعات الجوية في اعتراض معظمها. هذا السجال يعكس تحول الحرب لمرحلة لا تكتفي بالمواجهات في ميدان القتال، بل تمتد لتطال الأهداف الاقتصادية واللوجستية بهدف إنهاك قدرة كل طرف على مواصلة الصراع.
بالنسبة لروسيا، تكمن أهمية الهجوم الأخير في جانبين: الأول هو كشفه لثغرات الأمن الداخلي، والثاني هو تحول المنتدى الذي خُصص للترويج للاستقرار إلى تذكير حي باضطرابات الحرب. أما بالنسبة لأوكرانيا، فتبدو الضربات مصممة لجعل امتصاص التكاليف الاقتصادية للغزو أمراً شاقاً على الكرملين، حتى وإن لم تنجح بعد في فرض تغيير جذري في استراتيجيته العسكرية.