انتقلت شرارة حرب الدرونات بين أوكرانيا وروسيا إلى أجواء حلف شمال الأطلسي (NATO)، وهو ما أثار موجة قلق جديدة في أنحاء أوروبا مع تبادل الطرفين الاتهامات بالتصعيد الخطير. وتشير تقارير صحفية، منها ما نشرته صحيفة The Independent، إلى أن الدرونات الأوكرانية التي تستهدف العمق الروسي دخلت مراراً أجواء دول البلطيق ودول الشمال الأعضاء في الحلف، مما استدعى استجابات طارئة وأعاد فتح النقاش حول كيفية دعم كييف دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وقعت الحادثة الأكثر خطورة في 19 مايو الماضي، حين أسقطت مقاتلة تابعة للناتو طائرة مسيرة فوق جنوب إستونيا وفقاً لما ورد في التقارير. لاحقاً، أكد المسؤولون في إستونيا أنهم لم يمنحوا أوكرانيا أي إذن لاستخدام أجوائهم لشن هجمات على روسيا. حوادث مشابهة تكررت منذ مارس في ليتوانيا ولاتفيا وفنلندا، حيث انحرفت الدرونات عن مسارها أو دخلت أراضي الناتو وهي في طريقها إلى أهداف روسية شمال غرب البلاد، بما في ذلك منشآت تصدير النفط في منطقة Leningrad.
تحولت هذه الحوادث إلى نقطة توتر سياسي؛ فبينما يرى رئيس الوزراء السويدي Ulf Kristersson أن على حلفاء الناتو مساعدة أوكرانيا في توجيه عمليات الدرونات نحو "المسارات الصحيحة"، ألقى الأمين العام للناتو Mark Rutte باللوم على التشويش الإلكتروني الروسي (Electronic jamming) الذي يتسبب في انحراف بعض الدرونات عن مسارها. وصف Rutte اتهامات موسكو لدول البلطيق بأنها "مثيرة للسخرية تماماً"، ملمحاً إلى أن التدخل الروسي هو ما قد يكون السبب في دفع الدرونات الأوكرانية نحو دول الجوار، رغم أن الأسباب الدقيقة لكل اختراق لا تزال غير واضحة تماماً.
في المقابل، حاولت روسيا تحويل هذه الحوادث إلى ورقة ضغط دبلوماسية، فاتهمت لاتفيا ودول البلطيق الأخرى بالسماح لأوكرانيا بإطلاق الدرونات من أراضيها، وهي مزاعم رفضتها لاتفيا وليتوانيا وأوكرانيا جملة وتفصيلاً. المسؤولون في لاتفيا وليتوانيا أكدوا أنهم لم يسمحوا باستخدام أراضيهم أو مياههم أو أجوائهم للهجوم على روسيا، كما اعتذر المسؤولون الأوكرانيون لإستونيا عن حادثة الدرون، مشددين على أن قواتهم لا تستخدم أراضي إستونيا أو لاتفيا لشن ضربات.
السياق الأوسع لهذه التطورات يكمن في تحول الحرب إلى صراع يعتمد بشكل متزايد على الدرونات بعيدة المدى. أوكرانيا تستخدم هذه التكنولوجيا لضرب محطات النفط والمواقع العسكرية والبنية التحتية في عمق روسيا، ضمن استراتيجية تهدف للضغط على موسكو بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة. لكن مع امتداد هذه الهجمات شمالاً وغرباً، تزايدت مخاطر الحسابات الخاطئة، خاصة على طول الحدود الشرقية للناتو حيث تعيش تلك الدول حالة تأهب قصوى بالفعل.
تكمن أهمية هذه المسألة ليس فقط في الخطر المباشر على المدنيين والعسكريين، بل في كونها اختباراً لقدرة الناتو على إدارة صراع لم يعد محصوراً داخل الحدود الأوكرانية. بالنسبة لدول المواجهة مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، فإن مجرد طائرة مسيرة تائهة يمكن أن يثير أسئلة صعبة حول أنظمة الدفاع الجوي وقواعد الاشتباك، واحتمالية انجرار الحلف إلى مواجهة مباشرة مع روسيا. ومع استمرار الضربات الأوكرانية بعيدة المدى وردود الفعل الروسية بالصواريخ والدرونات، تواجه الحكومات الأوروبية الآن ساحة معركة أكثر اضطراباً بدأت تتسلل تدريجياً إلى أراضيها.