هبط الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ ستة أسابيع، ليمحو بذلك معظم المكاسب التي حققها منذ اندلاع النزاع مع إيران؛ فمع انتعاش آمال إنهاء الصراع، عاد التفاؤل إلى الأسواق وتراجع الطلب على العملة الأمريكية بصفتها "ملاذاً آمناً". وبحسب "الشرق الأوسط"، استقر سعر العملة قرب هذه المستويات المتدنية يوم الأربعاء، قبل أن يحافظ على ثباته أمام العملات الرئيسية يوم الخميس.
هذا التحول يأتي بعد رحلة صعود قوية للدولار مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تهديدات الحوثيين في اليمن التي أربكت الصادرات عبر البحر الأحمر، والتحذيرات الصارمة التي وجهها الرئيس ترامب إلى طهران. ووفقاً لبيانات Trading Economics، كان مؤشر الدولار (US Dollar Index - DXY) قد تجاوز حاجز 100 نقطة مطلع هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ مايو العام الماضي، في وقت لم تكن تلوح فيه أي بادرة لتهدئة الأوضاع، مما دفع المستثمرين للاحتماء بالعملة الخضراء. أما الآن، ومع ظهور مؤشرات على حل محتمل، سجل المؤشر هبوطاً حاداً ليصل إلى 97.9366 في 16 أبريل، مسجلاً تراجعاً بنسبة 1.65% خلال الشهر الماضي.
يعكس هذا التراجع مدى سرعة تأثر أسواق العملات بالنزاعات العالمية. ففي بداية الحرب، استفاد الدولار من مكانته كعملة احتياط عالمية، وقفز بنسبة 2.13% في الشهر السابق مع بحث المتداولين عن الاستقرار. لكن التفاؤل بالسلام قلب المشهد تماماً، وأدى إلى موجة بيع واسعة؛ حيث أشارت "الشرق الأوسط" إلى أن الدولار تخلى عن مكاسب الحرب ليستقر عند مستويات لم يشهدها منذ أوائل مارس.
ولا تتوقف الضغوط عند حدود السياسة الخارجية، بل هناك عوامل اقتصادية أعمق تزيد من حدة هذا الهبوط. إذ يسود القلق بين المستثمرين تجاه سياسات التعرفة الجمركية التي يتبناها ترامب، ومطالباته المتكررة لـ Federal Reserve بخفض أسعار الفائدة الرئيسية، وهي خطوات قد تضعف الدولار أكثر بجعل الأصول الأمريكية أقل جاذبية. ونوهت CBS News إلى انزلاق العملة بنسبة تجاوزت 3% منذ منتصف يناير، مدفوعة بتهديدات التعرفة الجمركية وقناعة ترامب بأن ضعف الدولار يصب في مصلحة المصدرين. وحذر محللون، ومنهم أليكس كوبتسي كيفيتش من FxPro، من أن العملة قد تواجه خسائر إضافية تتراوح بين 7% و8% إذا تراجع دعم وزارة الخزانة والـ Fed.
على الجانب الآخر، يجد المصدرون والمستهلكون الأمريكيون ميزة في انخفاض قيمة العملة؛ فالسلع الأمريكية تصبح أكثر تنافسية في الأسواق الخارجية، رغم أن الواردات ستصبح أغلى ثمناً، وهو ما قد يحد من آثار التضخم الناتجة عن التعرفة الجمركية. ويشير استراتيجيون في Morgan Stanley إلى أن ضبابية السياسات الحالية، مثل مفاوضات التعرفة والجدل حول قيادة الـ Fed، تزيد من الضغوط البيعية، خاصة مع تراجع قوة سوق العمل. وتتوقع Trading Economics أن يحوم مؤشر DXY حول مستوى 100.13 بنهاية الربع السنوي، مما ينذر باستمرار حالة التذبذب.
ويبقى المسار القادم رهناً بتطورات الحرب وإشارات السياسة الأمريكية. فإذا ما أحرزت محادثات السلام تقدماً ملموساً، قد يختبر الدولار مستويات متدنية لم يسبق لها مثيل منذ عام 2018 أو 2021. وفي المقابل، فإن أي اشتعال جديد في الشرق الأوسط أو تصعيد من جانب الحوثيين قد يعيد الزخم لعمليات شراء الدولار كملاد آمن. تترقب الأسواق بحذر شديد تأثير ترامب على الفائدة والتجارة، بينما يعيد تراجع العملة الخضراء تشكيل ديناميكيات التجارة العالمية.