يركز النقاش الأخير في برنامج "ترامبونوميكس" (Trumponomics) على سؤال صار جوهرياً في الجدل الاقتصادي الأمريكي: هل صار النمو يعتمد بشكل متزايد على الأسر الغنية؟ وهل هذا يجعل الاقتصاد رهينة للأثرياء بشكل خطر؟ طرحت "بلومبرغ" القضية من زاوية فكرة "الاقتصاد على شكل حرف K"، وهي رؤية تشير إلى أن الأمريكيين من ذوي الدخل المرتفع أوضاعهم ممتازة، بينما تعاني الأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض من مصاعب أكبر.
أهمية هذا الطرح تأتي من كون إنفاق المستهلكين هو المحرك الأساسي للاقتصاد الأمريكي، وحالياً صارت الأسر الغنية مسؤولة عن حصة كبيرة وغير متناسبة من هذا الإنفاق. فإذا كان النمو مدفوعاً بشكل أساسي من الطبقة التي في أعلى الهرم، فهذا يعني أن أي تباطؤ في الأسواق المالية، أو في توظيف أصحاب الدخول العالية، أو حتى تراجع قيمة الأصول، قد يترك آثاراً سلبية ضخمة على الاقتصاد ككل. يتساءل ملخص بودكاست "بلومبرغ" عما إذا كان وصف "حرف K" هو مجرد طريقة أخرى للحديث عن عدم المساواة، بينما ركزت منصات البودكاست الأخرى على فكرة التبعية للمستهلكين الميسورين.
هذا النقاش ينسجم مع حوار أوسع تديره "بلومبرغ إيكونوميكس" حول سر صمود الاقتصاد الأمريكي رغم الصدمات الكبيرة. ففي حلقة حديثة من "ترامبونوميكس"، أشارت ستيفاني فلاندرز وضيوفها إلى أن الاقتصاد استمر في النمو ولم ينهر، حتى في ظل اضطرابات الرسوم الجمركية وحالة عدم اليقين السياسي. لكن هذا الصمود لا يحسم السؤال الأعمق حول هوية المحرك الفعلي لهذا النمو، وما إذا كان هذا الدعم يستند إلى قاعدة عريضة تضمن استمراره.
هناك قلق متكرر في هذا الجدل يتركز حول الهيكل المؤسسي والاقتصادي لأمريكا الذي أصبح أكثر "تركزاً"، حيث تتجمع القوة والأرباح في يد فئة قليلة. وأشارت تحليلات "بلومبرغ" والنقاشات المرتبطة بها إلى زيادة تركز السوق، وهوامش الربح القوية، وثقافة أعمال تسعى فيها بعض الشركات الكبرى لتحقيق مكاسب من خلال العلاقات السياسية بجانب المنافسة التقليدية. هذه الديناميكيات تعزز الشعور بأن الاقتصاد بات يدار من قبل شريحة صغيرة وثرية من المجتمع.
في المقابل، لا تشير البيانات التي استعرضتها "بلومبرغ" إلى أن الاقتصاد الأمريكي يرتكز كلياً على الأغنياء فقط. فقد أكدت تحليلات البرنامج حول الرسوم الجمركية والنمو أن الاقتصاد لا يزال في مسار توسع عام، حتى وإن تسببت تلك الرسوم في رفع التكاليف وأثرت على فئات معينة أكثر من غيرها. كما لفت فريق "بلومبرغ" الاقتصادي إلى وجود "مصدات" أخرى دعمت النمو، مثل طفرة Artificial Intelligence، التي ساعدت في الحفاظ على مستوى الإنتاج حتى أثناء صدمات الرسوم الجمركية.
الخلاصة أن القضية الجوهرية ليست مجرد إنفاق الأغنياء لمبالغ طائلة، بل تكمن في التساؤل: هل أصبح هذا الإنفاق حيوياً لدرجة أن الاقتصاد العام صار مهدداً في حال تراجعت ثروات هذه الفئة؟ الإجابة على هذا السؤال لها انعكاسات واضحة على صناع السياسات والشركات والأسر، خاصة إذا استمرت مكاسب النمو في التكدس في الأعلى، بينما يواجه أصحاب الأجور تقدماً أضعف. توحي حلقة "بلومبرغ" بأن الجدل لا يدور حول مجرد شعار اقتصادي، بل حول مدى استدامة وعدالة توزيع النمو في الولايات المتحدة.