وجه البيت الأبيض اتهامات صريحة لشركات صينية بممارسة سرقة ممنهجة لنماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية عبر تقنية تُعرف باسم distillation، وهي خطوة تعكس قلقاً متزايداً دفع الإدارة الأمريكية للالتزام بمشاركة المعلومات الاستخباراتية مع عمالقة القطاع مثل OpenAI وAnthropic وGoogle. وحذرت مذكرة سياسات صادرة عن مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا (OSTP)، كتبها مايكل كراتسيوس، من أن هذه المحاولات تمثل جهداً منظماً لاستنساخ القدرات الأمريكية دون إذن، وفقاً لما نقلته تقارير BBC Business وThe Next Web.
ولم يكن المطورون الأمريكيون صامتين حيال هذه التهديدات؛ حيث اتهمت OpenAI شركة DeepSeek علناً في فبراير الماضي باستخدام نماذجها في عمليات distillation. من جانبها، كشفت Anthropic عن تفاصيل دقيقة حول قيام شركات DeepSeek وMiniMax وMoonshot AI بإنشاء أكثر من 24,000 حساب وهمي لتوليد 16 مليون تفاعل مع نماذج Claude، في مخالفة صريحة لشروط الخدمة. كما أبلغت Google عن حملات مشابهة استهدفت نموذج Gemini، شملت استخدام أكثر من 100,000 prompt تهدف لنسخ مهارات التفكير المنطقي في لغات غير الإنجليزية، بحسب تحليلات مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات وComputer Weekly.
في المقابل، وصفت الصين هذه الاتهامات بأنها افتراء، وفقاً لـ Ars Technica، وذلك وسط تصاعد التوترات التي قد تلقي بظلالها على القمة المرتقبة بين ترامب وشي جين بينغ. ولا تقتصر الأزمة على البرمجيات فحسب، بل تمتد للأجهزة؛ إذ كشف مسؤولون أمريكيون عن عمليات تهريب واسعة للرقائق، شملت مخططاً بقيمة 2.5 مليار دولار تضمن تلاعباً بـ serial numbers واستخدام خوادم وهمية للالتفاف على قيود التصدير ودعم طموحات الصين في مجال AI، وهو ما استعرضته جلسة استماع للجنة المختارة المعنية بالصين مؤخراً.
ورداً على هذه التحديات، وضع عمالقة التكنولوجيا الأمريكيون تنافسيتهم الشديدة جانباً للتعاون معاً؛ حيث أعلنت OpenAI وAnthropic وAlphabet (الشركة الأم لـ Google) من خلال Frontier Model Forum عن خطط للتعاون في كشف عمليات التجسس المرتبطة بالصين والإبلاغ عنها علناً، في مشهد يمثل وحدة نادرة داخل القطاع. وتعهدت مذكرة البيت الأبيض بمشاركة المعلومات الحكومية مع هذه الشركات واستكشاف آليات للمساءلة، مما يشير إلى توجه جاد نحو بناء دفاعات أقوى.
تكمن أهمية هذا الخلاف في أن AI أصبح الركيزة الأساسية للقوة الاقتصادية والعسكرية المعاصرة. تقنية distillation تسمح للنماذج "التلميذة" بمحاكاة النماذج "المعلمة" المتطورة بتكلفة زهيدة، مما يؤدي إلى تآكل التفوق الأمريكي دون الحاجة لاستثمارات ضخمة في التدريب أو اللجوء للاختراق المباشر. كما أن توفر النماذج الصينية بأسعار رخيصة أو مجانية يمثل خطراً تجارياً على الشركات الأمريكية، بجانب مخاوف الأمن القومي من تحويل هذه التكنولوجيا إلى سلاح.
المتضررون من هذا الوضع هم مطورو AI الأمريكيون الذين يفقدون ميزاتهم التنافسية، مما قد يبطئ وتيرة الابتكار، بالإضافة إلى المستخدمين حول العالم الذين يتطلعون لأدوات ذكاء اصطناعي آمنة وموثوقة. وفي المقابل، تواجه الصين، التي لا تزال تعتمد على الرقائق والتكنولوجيا الأمريكية في كامل الـ AI stack، مخاطر فرض عقوبات قد تعرقل محاولاتها السريعة للحاق بالركب.
وبالنظر إلى المستقبل، تزداد الضغوط على الكونجرس لتعزيز الحماية القانونية والتقنية، كما أكدت جلسات الاستماع الأخيرة، مع تزايد التعاون في القطاع الخاص الذي قد يحتاج لمزيد من الإشراف الحكومي. وتبرز محادثات ترامب وشي كنقطة صدام محتملة، خاصة مع دراسة واشنطن لفرض عقوبات كبيرة لحماية ريادتها التكنولوجية.